الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الشرط الرابع : خلو الإعتاق عن شوب العوض ، فلو أعتق عن كفارة على أن يرد عليه دينارا مثلا ، لم يجزئه عن الكفارة على الصحيح ، وحكى ابن القطان وجها أنه يجزئه لأن العتق حاصل ، ويسقط العوض ، كما لو قال : صل الظهر لنفسك ولك دينار ، فصلى ، أجزأته صلاته ولو شرط عوضا على غير العبد ، فلو قال الإنسان : أعتقت عبدي هذا عن كفارتي بألف عليك ، فقبل ، أو قال له إنسان : أعتقه عن كفارتك ، وعلي كذا ، ففعل ، لم يجزئه عن الكفارة ، وسواء قدم في الجواب ذكر الكفارة ، فقال : أعتقته عن كفارتي بألف عليك ، أو عكس ، فقال : أعتقته على أن لي عليك ألفا عن كفارتي .

                                                                                                                                                                        وعن أبي إسحاق وجه أنه إذا قدم ذكر الكفارة ، أجزأه وسقط العوض ، والصحيح الأول ، وسواء قال في الجواب : أعتقته عن كفارتي ، على أن لي عليك كذا ، أو اقتصر على قوله : أعتقته عن كفارتي ، فإنه يبنى على الخطاب والالتماس ، وفي استحقاقه العوض على الملتمس وجهان سنذكرهما إن شاء الله تعالى ، ولا يختصان بما إذا قال : أعتقته عن كفارتك ، بل يجزئان فيما إذا التمس منه أن يعتق عبده عن نفسه مطلقا بعوض ، فإن قلنا : لا يستحق عوضا وقع العتق ، وله الولاء ، وإن قلنا : يستحق عوضا ، فعمن يقع العتق ؟ وجهان ، أحدهما : عن باذل العوض ، وبه قال العراقيون ، والشيخ أبو محمد .

                                                                                                                                                                        [ ص: 292 ] وأصحهما : عن المعتق ، وبه قطع صاحبا " المهذب " و " التتمة " ، لأنه لم يعتقه عن الباذل ، ولا هو استدعاه لنفسه . ولو قال المعتق : أرد العوض ليكون العتق مجزئا عن كفارتي ، لم ينقلب مجزئا ، فلو قال في الابتداء عقب الالتماس : أعتقته عن كفارتي لا على الألف ، كان ردا لكلامه ، وأجزأه عن الكفارة .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        العتق على مال كالطلاق على مال ، فهو من جانب المالك معاوضة فيها شبه التعليق ، ومن جانب المستدعي معاوضة فيها شبه الجعالة ، كما سبق في الخلع . فإذا قال : أعتق مستولدتك على ألف ، فأعتقها ، نفذ العتق ، وثبت الألف ، وكان ذلك افتداء من المستدعي ، كاختلاع الأجنبي .

                                                                                                                                                                        ولو قال : أعتقتها عني على ألف ، أو وعلي ألف ، فقال : أعتقتها عنك ، نفذ العتق ، ولغا قوله : عني ، وقول المعتق : عنك ، لأن المستولدة لا تنتقل من شخص إلى شخص ، ثم الصحيح أنه لا يستحق عوضا ، لأنه التزم العوض على أن يحصل العتق عنه ، ولم يحصل . وقيل : يستحق ويلغى قوله : عني ، ويجعل باقي الكلام افتداء . ولو قال : طلق زوجتك عني على ألف ، فطلق ، قال الإمام : الوجه إثبات العوض . ولو قال : أعتق عبدك عن نفسك ولك علي كذا ، أو وعلي كذا ، ففعل ، فهل يستحق العوض عليه ؟ وجهان . أصحهما : نعم كالمستولدة ومسألة الطلاق .

                                                                                                                                                                        والثاني وهو اختيار الخضري ، لا لإمكان تملكه بالشراء ، بخلافهما ، ولو قال : أعتقه عني ، ففعل ، نظر ، إن قال : مجانا ، فلا شيء على المستدعي ، وإن ذكر عوضا [ ص: 293 ] ، لزمه العوض ، وإن أطلق ، فهل يستحق عليه قيمة العبد ؟ وجهان بناء على الخلاف في قوله : اقض ديني ولم يشترط الرجوع ، وخص الإمام والسرخسي هذا البناء بما إذا قال : أعتقه عن كفارتي ، فإن العتق حق ثابت عليه كالدين ، فأما إذا [ قال ] : أعتقه عني ولا عتق عليه ، أو لم يقصد وقوعه عنه ، فقد أطلق السرخسي أنه لا شيء عليه ، ورأى الإمام تخريجه على أن الهبة هل تقتضي الثواب ؟ ثم سواء نفى العوض أم أثبته ، يقع العتق على المستدعي . وقال المزني : إذا قال : أعتقه عني مجانا ، ففعل ، لا يقع على المستدعي ، واحتج الأصحاب بأنه أعتقه عنه ، فصار كذكر العوض . وقالوا : العتق بعوض صار كالمبيع المقبوض حتى [ استقر ] عوضه ، فكذلك يجعل عند عدم العوض ، كالموهوب المقبوض ، ويجعل القبض مندرجا تحت العتق لقوته ، وذكروا بناء على هذا ، أن إعتاق الموهوب قبل القبض بإذن الواهب جائز .

                                                                                                                                                                        ولو قال : أعتقه عن كفارتي ، أو عني ، ونوى الكفارة ، فأجابه ، أجزأه عن كفارته ، ولو قال : أعتق عبدك ولك علي كذا ، ولم يقل : عن نفسك ، ولا عني ، فهل هو كقوله : عني لقرينته العوض ، أم كقوله : عنك ؟ وجهان : أصحهما : الثاني ، وهو المذكور في " التهذيب " . ولو قال : أعتق عبدك عني ولك ألف بشرط أن يكون الولاء لك ، ففعل ، قال المتولي في باب " الخلع " : المشهور من المذهب أن هذا الشرط يفسد ، ويقع العتق عن المستدعي ، وعليه القيمة .

                                                                                                                                                                        وفيه وجه أنه يعتق عن المالك ، وله الولاء . وعن القفال أنه لو قال : أعتق عبدك عني على ألف ، والعبد مستأجر أو مغصوب ، فأعتقه ، جاز ، ولا يضر كونه مغصوبا . وإن كان المعتق عنه لا يقدر على انتزاعه ، ولا يخرج في المستأجر وليس على الخلاف في بيعه ، لأن البيع يحصل في ضمن الإعتاق ، ولا يعتبر في الضمنيات ما يعتبر في المقاصد ، وأنه لو قال : أعتق عبدك عن ابني الصغير ، ففعل ، [ ص: 294 ] جاز ، وكان اكتساب ولاء له بغير ضرر يلحقه ، وليس كما لو كان له رقيق فأراد الأب إعتاقه .

                                                                                                                                                                        وأنه لو وهب عبدا له لإنسان ، فقبله الموهوب له ، ثم قال للواهب : أعتقه عن ابني وهو صغير ، فأعتقه عنه ، جاز وكأنه أمره بتسليمه إلى ابنه ، وناب عنه في الإعتاق للابن . واعلم أن الإعتاق في صور الاستدعاء ، إنما يقع على المستدعي ، والعوض إنما يجب إذا اتصل الجواب بالخطاب ، فإن طال الفصل وقع العتق عن المالك ، ولا شيء على المستدعي .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : إذا جاء الغد ، فأعتق عبدك عني بألف ، فصبر حتى جاء الغد ، فأعتقه عنه ، حكى صاحب " التقريب " عن الأصحاب أنه ينفذ العتق عنه ، ويثبت المسمى عليه ، وأنه لو قال المالك لغيره : عبدي عنك حر بألف إذا جاء الغد ، فقال المخاطب : قبلت ، فهو كتعليق الخلع في قوله : طلقتك على ألف إذا جاء الغد ، فقالت : قبلت ، وقد سبق ذكر وجهين في وقوع الطلاق عند مجيء الغد ، أصحهما : الوقوع ، ووجهين إذا وقع ، أن الواجب مهر المثل أم المسمى ؟ أصحهما : الثاني ، فكذا يجيء هنا الخلاف في وقوع العتق عن المخاطب ، وإذا وقع ، ففي صحة المسمى وفساده ، وفرقوا بين الصورتين بأنه لم يوجد في الأولى تعليق العتق ، ويحتمل مجيء وجه في الأولى أنه يستحق قيمة المثل لا المسمى ، وأشار إليه صاحب " التقريب " ، واستصوبه الإمام وغيره .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أعتق عبدك عني على خمر ، أو مغصوب ، ففعل ، نفذ العتق عن المستدعي ، ولزمه قيمة العبد ، كما في الخلع .

                                                                                                                                                                        [ ص: 295 ] فرع

                                                                                                                                                                        لا خلاف أن العبد المعتق عن المستدعي يدخل في ملكه إذ لا عتق في غير ملك ، ومتى يدخل ؟ فيه أوجه . أحدها يملكه بالاستدعاء ، ويعتق عليه إذا تلفظ المالك بالإعتاق ، والثاني : يملك بالشروع في لفظ الإعتاق ، ويعتق إذا تم اللفظ . والثالث : يحصل الملك والعتق معا عند تمام اللفظ . وأصحها : أن العتق يترتب على الملك في لحظة لطيفة ، وأن حصول الملك لا يتقدم على آخر لفظ الإعتاق . ثم قال الشيخ أبو حامد : وأكثر الذين اختاروا هذا الوجه : إن الملك يحصل عقب الفراغ من لفظ الإعتاق على الاتصال ، وعن الشيخ أبي محمد أن الملك يحصل مع آخر جزء من أجزاء اللفظ .

                                                                                                                                                                        وجعل الإمام اختلاف عبارة الشيخين راجعا إلى اختلاف الأصحاب ، في أن حكم الطلاق والعتاق ، وسائر الألفاظ ، يثبت مع آخر جزء من اللفظ ، أم بعد تمام أجزائه على الاتصال ؟ فعبارة الشيخ أبي محمد على الوجه الأول ، وأبي حامد ، على الثاني ، وليس في هذا الوجه الرابع إشكال سوى تأخر العتق عن الإعتاق بقدر توسط الملك .

                                                                                                                                                                        قال الإمام : وسبب تأخره ، أنه إعتاق عن الغير ، ومعنى الإعتاق عن الغير ، انتقال الملك إليه ، وإيقاع العتق بعده ، وقد يتأخر العتق عن الإعتاق بأسباب ، ألا ترى أنه لو قال : أعتقت عبدي عنك بكذا ، لا يعتق حتى يوجد القبول .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أعتق عبدك عني على كذا ، ففعل ، ثم ظهر بالعبد عيب ، لم يبطل العتق ، بل يرجع المستدعي بأرش العيب ، ثم إن كان عيبا يمنع الإجزاء عن الكفارة ، لم تسقط به الكفارة .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        في فتاوى البغوي أنه لو قال : أعتق عبدك عني على ألف ، فقال : أعتقته عنك مجانا ، عتق عن المعتق دون المستدعي .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية