الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الطرف الرابع في الاغتنام

                                                                                                                                                                        قد سبق في كتاب قسم الغنيمة أن الغنيمة : المال المأخوذ من [ ص: 260 ] الكفار بالقهر وإيجاف خيل وركاب ، والفيء : ما حصل منهم بلا قتال ، وإذا دخل واحد أو شرذمة دار الحرب مستخفين ، وأخذوا مالا على صورة السرقة ، فوجهان : أحدهما وبه قطع الغزالي ، وادعى الإمام أنه المذهب المعروف : أنه ملك من أخذه خاصة ، والأصح الموافق لكلام الجمهور : أنه غنيمة مخمسة ، وقد قال الأصحاب : لو غزت طائفة بغير إذن الإمام متلصصين وأخذت مالا ، فهو غنيمة مخمسة ، وفي " التهذيب " أن الواحد إذا دخل دار الحرب ، وأخذ مال حربي بقتال ، أخذ منه الخمس ، والباقي له ، وإن أخذه على جهة السوم ، ثم جحده ، أو هرب ، فهو له ، ولا يخمس ، وهذه الصورة قريبة من السرقة ، والمأخوذ على صورة اختلاس كالمأخوذ على صورة السرقة ، وقال صاحب الحاوي : هو غنيمة ، وعن أبي إسحاق أنه فيء ، لأنه بغير إيجاف خيل ، وليكن الوجه القائل باختصاص السارق والمختلس مخصوصا بما إذا دخل واحد أو نفر يسير دار الحرب ، وأخذوا ، فأما إذا أخذ بعض الجيش بسرقة أو اختلاس ، فيشبه أن يكون غلولا ، ويدل عليه أن الروياني نقل أن ما يهديه الكافر إلى الإمام ، أو إلى واحد من المسلمين والحرب قائمة ، لا يملكه المهدى إليه بكل حال ، وإذا لم يختص المهدى إليه بالهدية ، فأولى أن لا يختص سارق بمسروق .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        المال الضائع الذي يؤخذ في دارهم على هيئة اللقيطة ، إن كان مما يعلم أنه للكفار ، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور : أنه غنيمة ، لا يختص به الآخذ ، وقال الإمام والغزالي : هو لمن أخذه بناء على أن المسروق لمن أخذه ، فإن أمكن كونه للمسلمين ، بأن كان هناك مسلمون ، أو أمكن أن يكون ضالة بعض الجيش ، وجب تعريفه ، ثم بعده يعود خلاف الجمهور والإمام في أنه غنيمة أم للآخذ ؟ وأما صفة التعريف ، [ ص: 261 ] فقال الشيخ أبو حامد : يعرفه يوما أو يومين ، ويقرب منه قول الإمام : يكفي بلوغ التعريف إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم ، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار ، وفي المهذب والتهذيب يعرفه سنة ، ولفظ التهذيب : أنه لو وجد ضالة في دار الحرب لحربي ، فهي غنيمة ، فالخمس لأهله ، والباقي له ولمن معه ، ولو وجد ضالة لحربي في دار الإسلام ، لم يختص هو بها ، بل تكون فيئا ، وكذا لو دخل صبي ، أو امرأة منهم بلادنا ، فأخذه رجل ، يكون فيئا ، وإن دخل منهم رجل ، فأخذه مسلم ، كان غنيمة ، لأن لأخذه مؤنة ، وللإمام الخيار فيه ، فإن استرقه ، كان الخمس لأهله ، والباقي لمن أخذه بخلاف الضالة ، لأنها مال للكفار حصل في أيدينا بلا قتال .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        المباحات التي لم يملكها أحد ، كالحطب والحشيش والحجر والصيد البري والبحري ، من أخذها ، ملكها كدار الإسلام ، قال الشافعي - رضي الله عنه - في المختصر : إلا أن يكون مصنوعا أو صيدا مقرطا أو موسوما ، فلا يكون لمن أخذه ، يعني إلا أن يكون حجرا مصنوعا بنقر أو نقش ، أو منحوتا ، والمقرط : في أذنه قرط ، ويروى مقرطق ، وهو الذي جز صوفه ، وجعل على هيئة القرطق ، فهذه الأحوال آثار للملك والدار للكفار ، فالظاهر أنها كانت لهم ، فتكون غنيمة ، فإن أمكن كونها لمسلم ، فهي كسائر الضوال يجب تعريفها كما سبق .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية