الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الباب الثامن

في صلاة العيدين

أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة العيدين ، وأنهما بلا أذان ولا إقامة ، لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا ما أحدث من ذلك معاوية في أصح الأقاويل ، قاله أبو عمر .

وكذلك أجمعوا على أن السنة فيها تقديم الصلاة على الخطبة لثبوت ذلك أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إلا ما روي عن عثمان بن عفان أنه أخر الصلاة وقدم الخطبة لئلا يفترق الناس قبل الخطبة .

وأجمعوا أيضا على أنه لا توقيت في القراءة في العيدين ، وأكثرهم استحب أن يقرأ في الأولى بسبح ، وفي الثانية بالغاشية ، لتواتر ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستحب الشافعي القراءة فيهما بـ ( ق والقرآن المجيد ) و ( اقتربت الساعة ) لثبوت ذلك عنه - عليه الصلاة والسلام - .

واختلفوا من ذلك في مسائل أشهرها : اختلافهم في التكبير : وذلك أنه حكى في ذلك أبو بكر بن المنذر نحوا من اثني عشر قولا ، إلا أنا نذكر من ذلك المشهور الذي يستند إلى صحابي أو سماع فنقول :

ذهب مالك إلى أن التكبير في الأولى من ركعتي العيدين : سبع مع تكبيرة الإحرام قبل القراءة ، وفي الثانية : ست مع تكبيرة القيام من السجود .

وقال الشافعي : في الأولى : ثمانية ، وفي الثانية : ست مع تكبيرة القيام من السجود .

وقال أبو حنيفة : يكبر في الأولى : ثلاثا بعد تكبيرة الإحرام يرفع يديه فيها ، ثم يقرأ أم القرآن وسورة ، [ ص: 182 ] ثم يكبر راكعا ولا يرفع يديه ، فإذا قام إلى الثانية وكبر ولم يرفع يديه وقرأ فاتحة الكتاب وسورة ، ثم كبر ثلاث تكبيرات يرفع فيها يديه ، ثم يكبر للركوع ولا يرفع فيها يديه .

وقال قوم : فيها تسع في كل ركعة ، وهو مروي عن ابن عباس والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب ، وبه قال النخعي .

وسبب اختلافهم : اختلاف الآثار المنقولة في ذلك عن الصحابة .

فذهب مالك - رحمه الله - إلى ما رواه عن ابن عمر أنه قال : شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة ، فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة ، في الآخرة خمسا قبل القراءة ، ولأن العمل عنده بالمدينة كان على هذا ، وبهذا الأثر بعينه أخذ الشافعي ، إلا أنه تأول في السبع أنه ليس فيها تكبيرة الإحرام ، كما ليس في الخمس تكبيرة القيام ، ويشبه أن يكون مالك إنما أصاره أن يعد تكبيرة الإحرام في السبع ، ويعد تكبيرة القيام زائدا على الخمس المروية أن العمل ألفاه على ذلك ، فكأنه عنده وجه من الجمع بين الأثر والعمل ، وقد خرج أبو داود معنى حديث أبي هريرة مرفوعا عن عائشة وعن عمرو بن العاص . وروى أنه سئل أبو موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر في الأضحى والفطر ؟ فقال أبو موسى : " كان يكبر أربعا على الجنائز " فقال حذيفة : صدق ، فقال أبو موسى : كذلك كنت أكبر في البصرة حين كنت عليهم ، وقال قوم بهذا .

وأما أبو حنيفة وسائر الكوفيين فإنهم اعتمدوا في ذلك على ابن مسعود ، وذلك أنه ثبت عنه أنه كان يعلمهم صلاة العيدين على الصفة المتقدمة ، وإنما صار الجميع إلى الأخذ بأقاويل الصحابة في هذه المسألة ، لأنه لم يثبت فيها عن النبي - عليه الصلاة والسلام - شيء ، ومعلوم أن فعل الصحابة في ذلك هو توقيف ، إذ لا مدخل للقياس في ذلك .

وكذلك اختلفوا في رفع اليدين عند كل تكبيرة : فمنهم من رأى ذلك وهو مذهب الشافعي ، ومنهم من لم ير الرفع إلا في الاستفتاح فقط ، ومنهم من خير .

واختلفوا فيمن تجب عليه صلاة العيد - أعني : وجوب السنة - فقالت طائفة : يصليها الحاضر والمسافر ، وبه قال الشافعي والحسن البصري ، وكذلك قال الشافعي : إنه يصليها أهل البوادي ، ومن لا يجمع حتى المرأة في بيتها . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إنما تجب صلاة الجمعة والعيدين على أهل الأمصار والمدائن . وروي عن علي أنه قال : لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع . وروي عن الزهري أنه قال : لا صلاة فطر ولا أضحى على مسافر .

والسبب في هذا الاختلاف : اختلافهم في قياسها على الجمعة ، فمن قاسها على الجمعة كان مذهبه فيها مذهبه في الجمعة ، ومن لم يقسها رأى أن الأصل وهو أن كل مكلف مخاطب بها حتى يثبت استثناؤه من الخطاب .

قال القاضي : قد فرقت السنة بين الحكم للنساء في العيدين والجمعة ، وذلك أنه ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - أمر النساء بالخروج للعيدين ، ولم يأمر بذلك في الجمعة .

[ ص: 183 ] وكذلك اختلفوا في الموضع الذي يجب منه المجيء إليها كاختلافهم في صلاة الجمعة من الأميال إلى مسيرة اليوم التام .

واتفقوا على أن وقتها من شروق الشمس إلى الزوال .

واختلفوا فيمن لم يأتهم علم بأنه العيد إلا بعد الزوال ، فقالت طائفة : ليس عليهم أن يصلوا يومهم ولا من الغد ، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور . وقال آخرون : يخرجون إلى الصلاة في غداة ثاني العيد ، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق . قال أبو بكر بن المنذر : وبه نقول لحديث رويناه عن النبي - عليه الصلاة والسلام - : " أنه أمرهم أن يفطروا ، فإذا أصبحوا أن يعودوا إلى مصلاهم " . قال القاضي : خرجه أبو داود ، إلا أنه عن صحابي مجهول ، ولكن الأصل فيهم - رضي الله عنهم - حملهم على العدالة .

واختلفوا إذا اجتمع في يوم واحد عيد وجمعة ، هل يجزئ العيد عن الجمعة ؟ .

فقال قوم : يجزئ العيد عن الجمعة ، وليس عليه في ذلك اليوم إلا العصر فقط ، وبه قال عطاء ، وروي ذلك عن ابن الزبير وعلي .

وقال قوم : هذه رخصة لأهل البوادي الذين يردون الأمصار للعيد والجمعة خاصة ، كما روي عن عثمان أنه خطب في يوم عيد وجمعة فقال : ( من أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظر ، ومن أحب أن يرجع فليرجع ) رواه مالك في الموطإ ، وروى نحوه عن عمر بن عبد العزيز ، وبه قال الشافعي .

وقال مالك وأبو حنيفة : إذا اجتمع عيد وجمعة فالمكلف مخاطب بهما جميعا : العيد على أنه سنة ، والجمعة على أنها فرض ، ولا ينوب أحدهما عن الآخر ، وهذا هو الأصل إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه ، ومن تمسك بقول عثمان ، فلأنه رأى أن مثل ذلك ليس هو بالرأي ، وإنما هو توقيف ، وليس هو بخارج عن الأصول كل الخروج . وأما إسقاط فرض الظهر والجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج عن الأصول جدا ، إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه .

واختلفوا فيمن تفوته صلاة العيد مع الإمام : فقال قوم : يصلي أربعا ، وبه قال أحمد والثوري ، وهو مروي عن ابن مسعود . وقال قوم : بل يقضيها على صفة صلاة الإمام ركعتين يكبر فيهما نحو تكبيره ويجهر كجهره ، وبه قال الشافعي وأبو ثور . وقال قوم : بل ركعتين فقط لا يجهر فيهما ولا يكبر تكبيرة العيد . وقال قوم : وإن صلى الإمام في المصلى صلى ركعتين ، وإن صلى في غير المصلى صلى أربع ركعات . وقال قوم : لا قضاء عليه أصلا ، وهو قول مالك وأصحابه . وحكى ابن المنذر عنه مثل قول الشافعي .

فمن قال أربعا شبهها بصلاة الجمعة وهو تشبيه ضعيف ، ومن قال ركعتين كما صلاهما الإمام فمصيرا إلى أن الأصل هو أن القضاء يجب أن يكون على صفة الأداء ، ومن منع القضاء فلأنه رأى أنها صلاة من شرطها الجماعة والإمام كالجمعة ، فلم يجب قضاؤها ركعتين ولا أربعا إذ ليست هي بدلا من شيء ، وهذان القولان هما اللذان يتردد فيهما النظر - أعني : قول الشافعي وقول مالك - ، وأما سائر الأقاويل في ذلك فضعيف لا معنى له ، لأن صلاة الجمعة بدل من الظهر ، وهذه ليست بدلا من شيء ، فكيف يجب أن تقاس إحداهما على الأخرى في القضاء ، وعلى الحقيقة فليس من فاتته الجمعة فصلاته للظهر قضاء بل هي أداء ، لأنه إذا فاته البدل وجبت هي . والله الموفق للصواب . [ ص: 184 ] واختلفوا في التنفل قبل صلاة العيد وبعدها : فالجمهور على أنه لا يتنفل لا قبلها ولا بعدها ، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وجابر ، وبه قال أحمد . وقيل يتنفل قبلها وبعدها ، وهو مذهب أنس وعروة ، وبه قال الشافعي . وفيه قول ثالث : وهو أن يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها ، وقال به الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ، وهو مروي أيضا عن ابن مسعود . وفرق قوم بين أن تكون الصلاة في المصلى أو في المسجد ، وهو مشهور مذهب مالك .

وسبب اختلافهم : أنه ثبت : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم فطر أو يوم أضحى فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما " وقال - عليه الصلاة والسلام - : " إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين " . وترددها أيضا من حيث هي مشروعة بين أن يكون حكمها في استحباب التنفل قبلها وبعدها حكم المكتوبة أو لا يكون ذلك حكمها ؟

فمن رأى أن تركه الصلاة قبلها وبعدها هو من باب ترك الصلاة قبل السنن وبعدها ، ولم ينطلق اسم المسجد عنده على المصلى لم يستحب تنفلا قبلها ولا بعدها ، ولذلك تردد المذهب في الصلاة قبلها إذا صليت في المسجد ، لكون دليل الفعل معارضا في ذلك القول - أعني : أنه من حيث هو داخل في مسجد يستحب له الركوع ، ومن حيث هو مصل صلاة العيد يستحب له أن لا يركع تشبها بفعله - عليه الصلاة والسلام - .

ومن رأى أن ذلك من باب الرخصة ، ورأى أن اسم المسجد ينطلق على المصلى ندب إلى التنفل قبلها .

ومن شبهها بالصلاة المفروضة استحب التنفل قبلها وبعدها كما قلنا .

ورأى قوم أن التنفل قبلها وبعدها من باب المباح الجائز لا من باب المندوب ولا من باب المكروه ، وهو أقل اشتباها إن لم يتناول اسم المسجد المصلى .

واختلفوا في وقت التكبير في عيد الفطر بعد أن أجمع على استحبابه الجمهور لقوله تعالى : ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ) فقال جمهور العلماء : يكبر عند الغدو إلى الصلاة ، وهو مذهب ابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وقال قوم : يكبر من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدو إلى المصلى ، وحتى يخرج الإمام ، وكذلك في ليلة الأضحى عندهم إن لم يكن حاجا . وروي عن ابن عباس إنكار التكبير جملة إلا إذا كبر الإمام .

واتفقوا أيضا على التكبير في أدبار الصلوات أيام الحج ، واختلفوا في توقيت ذلك اختلافا كثيرا : فقال قوم : يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ، وبه قال سفيان وأحمد وأبو ثور . وقيل يكبر من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق ، وهو قول مالك والشافعي . وقال الزهري : مضت السنة أن يكبر الإمام في الأمصار دبر صلاة الظهر من يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق .

وبالجملة فالخلاف في ذلك كثير ، حكى ابن المنذر فيها عشرة أقوال .

وسبب اختلافهم في ذلك : هو أنه نقلت بالعمل ولم ينقل في ذلك قول محدود ، فلما اختلفت الصحابة في ذلك اختلف من بعدهم . والأصل في هذا الباب قوله تعالى : ( واذكروا الله في أيام معدودات ) . فهذا [ ص: 185 ] الخطاب وإن كان المقصود به أولا أهل الحج ، فإن الجمهور رأوا أنه يعم أهل الحج وغيرهم ، وتلقي ذلك بالعمل ، وإن كانوا اختلفوا في التوقيت في ذلك ، ولعل التوقيت في ذلك على التخيير ; لأنهم كلهم أجمعوا على التوقيت واختلفوا فيه . وقال قوم : التكبير دبر الصلاة في هذه الأيام إنما هو لمن صلى في جماعة .

وكذلك اختلفوا في صفة التكبير في هذه الأيام ، فقال مالك والشافعي : يكبر ثلاثا : ( الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ) . وقيل : يزيد بعد هذا : ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ) . وروي عن ابن عباس أنه يقول : ( الله أكبر كبيرا ) ثلاث مرات ، ثم يقول الرابعة : ( ولله الحمد ) . وقالت جماعة : ليس فيه شيء مؤقت .

والسبب في هذا الاختلاف : عدم التحديد في ذلك في الشرع ، مع فهمهم من الشرع في ذلك التوقيت - أعني : فهم الأكثر . وهذا هو السبب في اختلافهم في توقيت زمان التكبير - أعني : فهم التوقيت مع عدم النص في ذلك .

وأجمعوا على أنه يستحب أن يفطر في عيد الفطر قبل الغدو إلى المصلى ، وأن لا يفطر يوم الأضحى إلا بعد الانصراف من الصلاة ، وأنه يستحب أن يرجع من غير الطريق التي مشى عليها لثبوت ذلك من فعله - عليه الصلاة والسلام .

التالي السابق


الخدمات العلمية