الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في أنواع الهبات

والهبة منها ما هي هبة عين ، ومنها ما هي هبة منفعة . وهبة العين منها ما يقصد بها الثواب ، ومنها ما لا يقصد بها الثواب . والتي يقصد بها الثواب منها ما يقصد بها وجه الله ، ومنها ما يقصد به وجه المخلوق .

فأما الهبة لغير الثواب فلا خلاف في جوازها ، وإنما اختلفوا في أحكامها .

وأما هبة الثواب فاختلفوا فيها ، فأجازها مالك وأبو حنيفة ; ومنعها الشافعي ، وبه قال داود وأبو ثور .

[ ص: 665 ] وسبب الخلاف هل هي بيع مجهول الثمن أو ليس بيعا مجهول الثمن ؟ فمن رآه بيعا مجهول الثمن قال هو من نوع بيوع الغرر التي لا تجوز ، ومن لم ير أنها بيع مجهول ، قال : يجوز وكأن مالكا جعل العرف فيها بمنزلة الشرط وهو ثواب مثلها ، ولذلك اختلف القول عندهم إذا لم يرض الواهب بالثواب ما الحكم ؟ فقيل تلزمه الهبة إذا أعطاه الموهوب القيمة ، وقيل لا تلزمه إلا أن يرضيه ، وهو قول عمر على ما سيأتي بعد ، فإذا اشترط فيه الرضا فليس هنالك بيع انعقد ، والأول هو المشهور عن مالك . وأما إذا ألزم القيمة فهنالك بيع انعقد ، وإنما يحمل مالك الهبة على الثواب إذا اختلفوا في ذلك ، وخصوصا إذا دلت قرينة الحال على ذلك مثل أن يهب الفقير للغني ، أو لمن يرى أنه إنما قصد بذلك الثواب .

وأما هبات المنافع : فمنها ما هي مؤجلة ، وهذه تسمى عارية ومنحة وما أشبه ذلك ، ومنها ما يشترط فيها ما بقيت حياة الموهوب له ، وهذه تسمى العمرى ، مثل أن يهب رجل رجلا سكنى دار حياته ، وهذه اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها هبة مبتوتة : أي هبة للرقبة ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ، والثوري ، وأحمد وجماعة .

والقول الثاني : أنه ليس للمعمر فيها إلا المنفعة ، فإذا مات عادت الرقبة للمعمر أو إلى ورثته ، وبه قال مالك وأصحابه ، وعنده أنه إن ذكر العقب عادت إذا انقطع العقب إلى المعمر أو إلى ورثته .

والقول الثالث : أنه إذا قال : هي عمرى لك ولعقبك كانت الرقبة ملكا للمعمر ، فإذا لم يذكر العقب عادت الرقبة بعد موت المعمر للمعمر أو لورثته ، وبه قال داود ، وأبو ثور .

وسبب الخلاف في هذا الباب اختلاف الآثار ، ومعارضة الشرط والعمل للأثر .

أما الأثر ففي ذلك حديثان :

أحدهما متفق على صحته ، وهو ما رواه مالك عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها ، لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدا ; لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " .

والحديث الثاني : حديث أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا معشر الأنصار أمسكوا عليكم أموالكم ولا تعمروها فمن أعمر شيئا حياته فهو له حياته ومماته " . وقد روي عن جابر بلفظ آخر : " لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو لورثته " .

فحديث أبي الزبير عن جابر مخالف لشرط المعمر . وحديث مالك عنه مخالف أيضا لشرط المعمر إلا أنه يخيل أنه أقل في المخالفة ، وذلك أن ذكر العقب يوهم تبتيت العطية .

فمن غلب الحديث على الشرط قال بحديث أبي الزبير عن جابر ، وحديث مالك عن جابر ، ومن غلب الشرط قال بقول مالك ، وأما من قال : إن العمرى تعود إلى المعمر إن لم يذكر العقب ، ولا تعود إن ذكر ، فإنه أخذ بظاهر الحديث . وأما حديث أبي الزبير عن جابر فمختلف فيه ( أعني : رواية أبي الزبير عن جابر ) .

وأما إذا أتى بلفظ الإسكان ، فقال : أسكنتك هذه الدار حياتك ، فالجمهور على أن الإسكان عندهم ، أو الإخدام بخلاف العمرى وإن لفظ بالعقب ، فسوى مالك بين التعمير والإسكان . وكان الحسن وعطاء [ ص: 666 ] وقتادة ، يسوون بين السكنى والتعمير في أنها لا تنصرف إلى المسكن أبدا على قول الجمهور في العمرى . والحق أن الإسكان والتعمير معنى المفهوم منهما واحد ، وأنه يجب أن يكون الحكم إذا صرح بالعقب مخالفا له إذا لم يصرح بذكر العقب على ما ذهب إليه أهل الظاهر .

التالي السابق


الخدمات العلمية