الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب المناسك وما جاء فيها من النسخ

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 165 ] باب : المناسك وما جاء فيها من النسخ

قال أبو عبيد : أما مناسك الحج فإنا لا نعلم في التنزيل منها منسوخا ولكن فيها سنتين كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه ثم إن الأئمة أو بعضهم رأى فيهما سوى ذلك وهما : فسخ الإحرام ومتعة الحج ولا نرى ترك من تركها كان إلا لأمر علموه ناسخا لما كان قبله أو لشيء كان للنبي صلى الله عليه ولأصحابه دون غيرهم ، وبكل قد جاءت السنة والأثر . فأما فسخ الإحرام:

308 - فإن أبا بكر بن عياش حدثنا ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد أحرمنا بالحج ، فلما قدمنا مكة قال : " اجعلوا حجكم عمرة " ، فقال الناس : يا رسول الله قد أحرمنا بالحج ، كيف نجعله عمرة ، فقال : " انظروا ما آمركم به فاصنعوا

309 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر ، ويحيى بن سعيد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله

[ ص: 167 ] قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن لا ننوي إلا الحج لا نعرف العمرة ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قضى طوافه ، ثم نادى الناس وهو على المروة والناس تحته : " من لم يكن معه هدي فليحلل وليجعله عمرة " قال : فحل الناس كلهم .

قال أبو عبيد : " وهذا في حديث طويل في المناسك "

310 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا ابن أبي عدي ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرخ بالحج صراخا ، حتى إذا طفنا بالبيت قال : " اجعلوه عمرة إلا من كان معه الهدي " قال : فأحللنا بعمرة ، فلما كان يوم التروية أحرمنا بالحج وانطلقنا إلى منى

311 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن جابر ، وعن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن

[ ص: 168 ] جابر قال : " لما كانت عشية التروية وتوجهنا إلى منى وجعلنا ظهورنا إلى مكة لبينا بالحج

312 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد ، عن يحيى بن سعيد ، أن عمرة بنت عبد الرحمن ، أخبرته أنها ، سمعت عائشة تقول : " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ونحن لا نرى إلا الحج ، فلما قدمنا أو دنونا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة " قالت : " فأحل الناس كلهم إلا من كان معه هدي .

313 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة ، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك ، وزاد فيه قال : قال يحيى ، فذكرت ذلك للقاسم بن محمد ، فقال : جاءتك بالحديث على وجهه

[ ص: 169 ]

314 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى ، وحدثنا أبو النضر ، عن شعبة ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى قال : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء ، فقال : " بم أهللت ؟ " قلت : أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " هل سقت من هدي ؟ " قلت : لا ، قال : " طف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم أحل " قال : فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني وغسلت رأسي ، فكنت أفتي الناس بذلك في إمارة أبي بكر وإمارة عمر رضي الله عنهما قال : فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل ، فقال : إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك ، فقلت : يا أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد ؛ فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم ، فأتموا به قال : فقدم . فقلت : يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النسك ؟ ، فقال : أن نأخذ بكتاب الله عز وجل ، فإن الله يقول : وأتموا الحج والعمرة لله وأن نأخذ بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي

[ ص: 170 ]

315 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة قالت : قلت : يا رسول الله ما للناس أحلوا ولم تحلل أنت من عمرتك ، فقال : " إني لبدت رأسي وقلدت هديي ، فلا أحل حتى أحل من الحج .

قال أبو عبيد : " فقد صحت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج إلى العمرة بعد الطواف إلا من ساق الهدي ، ثم روي عن الخلفاء بعده أنهم كانوا يقيمون على إحرامهم إلى يوم النحر "

316 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن حماد بن سلمة ، عن ابن أبي مليكة ، عن عروة بن الزبير ، " أن أبا بكر ، وعمر ، كانا يقدمان ملبيين فلا يحلان إلى يوم النحر

[ ص: 171 ]

317 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية ، ويحيى بن سعيد ، عن محمد بن أبي إسماعيل ، عن عبد الرحمن بن أبي نصر ، عن أبيه ، عن علي ، أنه " قدم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة لعمرته ، ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته ، ثم أقام حراما إلى يوم النحر . في حديث فيه طول

قال أبو عبيد : " وأما عثمان وكان من أشدهم في ذلك ؛ لأنه كان يغلظ في المتعة فالفسخ أشد ولا نرى الأئمة أجمعوا على ترك الفسخ إلا لأحد الخصلتين اللتين ذكرنا من المنسوخ والخصوصية ، على أن تبيانه قد جاءنا في حديث مرفوع وغير مرفوع

[ ص: 172 ]

318 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثني نعيم بن حماد ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن الحارث بن بلال بن الحارث ، عن أبيه بلال بن الحارث المزني قال : قلت : يا رسول الله أفسخ الحج لنا خاصة أم لمن بعدنا ؟ قال : " لا بل لنا خاصة

319 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية ، ويزيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن المرقع الأسدي ، عن أبي ذر قال : " لم يكن

[ ص: 173 ] لأحد أن يهل بحج ثم يفسخه بعمرته إلا للركب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة

320 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر قال : " إنما كانت المتعة بالحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة . قال : أبو معاوية يعني أن يجعل الحج عمرة .

321 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا أبو سعد ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر مثل حديث الأعمش .

قال أبو عبيد : " وإلى هذا انتهت العلماء من أهل الحجاز والعراق والشام منهم سفيان ، والأوزاعي ، ومالك ، وأهل الرأي ، وغيرهم لا يرون للحاج والقارن إحلالا دون يوم النحر ، حتى قد كان بعضهم ينكر الفسخ ويحدث بخلافه

322 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك بن أنس ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " فمنا من أهل بالحج ، ومنا من أهل بالحج

[ ص: 174 ] والعمرة ، ومنا من أهل بالعمرة قالت : وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فأما من أهل بالعمرة فطاف بالبيت وسعى وأحل ، وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحل إلى يوم النحر
.

323 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثني عبد الرحمن ، عن مالك ، عن أبي الأسود ، عن سليمان بن يسار مثل ذلك ، إلا أنه لم يذكر إهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، قال عبد الرحمن : وكان مالك يأخذ بهذا وينكر قول أهل مكة في متعة الحج ، قال أبو عبيد : " ولا نعلم أحدا من الصحابة تمسك بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ابن عباس ، فإن الفسخ معروف من رأيه

324 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء ، عن ابن عباس قال : " لا يطوف أحد بالبيت إلا حل قال : قلت : إنما هذا بعد المعرف ، فقال : كان ابن عباس يراه قبل وبعد " قال : قلت من أين كان يأخذ هذا ؟ قال : من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في حجة الوداع أن يحلوا ومن قول الله تبارك وتعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق

[ ص: 175 ]

325 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن شعبة ، عن قتادة قال : سمعت أبا حسان الأعرج يقول : قال رجل من بني الهجيم يقال له : فلان بن عبد لابن عباس : ما هذه الفتيا التي قد شغبت الناس ، أنه من طاف بالبيت فقد حل ، فقال : " سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وإن رغمتم . قال حجاج قال شعبة : أنا أقول : شغبت ولا أدري كيف هي ؟ ، وقال حجاج : إنما هو شعبت وهي عندي ، كما قال حجاج يعني أنها : فرقت بين الناس في الفتيا

قال أبو عبيد : " فناس من أهل العلم اليوم يذهبون إلى هذا القول ويرون الفسخ في الحج ، وهو مذهب وحجة لولا حديث بلال بن الحارث الذي ذكرناه عن النبي صلى الله عليه وسلم ومقالة أبي ذر وما مضى عليه السلف من الخلفاء الراشدين المهديين الذين هم أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأويل حديثه ، ثم قول العلماء بعده "

[ ص: 176 ] قال أبو عبيد : " فهذا ما في فسخ الحج وأما المتعة "

326 - فإن ابن أبي مريم حدثنا ، عن مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، أن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، حدثه ، أنه سمع سعد بن أبي وقاص ، والضحاك بن قيس ، عام حج معاوية وهما يتذاكران التمتع بالعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله ، فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي ، فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد " صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه

327 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ، عن سليمان التيمي ، عن غنيم بن قيس قال : سألت سعد بن أبي وقاص عن متعة الحج ، فقال : " قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش . قال : يعني : فلانا قال أبو عبيد : والعرش بيوت مكة يعني أنه مقيم بها وهو يومئذ كافر

[ ص: 177 ]

328 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا حجاج ، عن عطاء ، عن جابر بن عبد الله ، أن سراقة بن مالك بن جعشم قال : يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد قال : " بل هي للأبد " ، مرتين أو ثلاثا .

329 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا مروان بن شجاع الجزري ، عن خصيف بن عبد الرحمن ، عن عطاء ، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وسراقة مثل ذلك إلا أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بل هي لأبد الآبدين "

330 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله عن النبي ، صلى الله عليه وسلم وسراقة مثل ذلك إلا أنه قال : " بل هي لأبد آبد " وزاد فيه : فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه وقال : " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة .

قال أبو عبيد : " وكلمته صلى الله عليه وسلم هذه تفسر تفسيرين أحدهما : أن يكون دخول العمرة في الحج هو الفسخ بعينه وذلك أن يهل الرجل بالحج ، ثم أن يكون دخول العمرة في الحج هو الفسخ بعينه ، وذلك أن يهل الرجل بالحج ، ثم يحل من حجه بعمرة إذا طاف بالبيت ، والآخر : أن يكون دخول العمرة في الحج

[ ص: 178 ] هو المتعة نفسها ، وذلك أن يقرب الرجل العمرة في أشهر الحج ، فإذا قضاها وطاف لها وحلق ، ثم أراد الحج استأنف له إهلالا ، وإنما جاء هذا ؛ لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعرف العمرة في أشهر الحج وتنكره أشد الإنكار

331 - ويروى عن طاوس ، أنه قال : " كان ذلك عندهم من أفجر الفجور

قال أبو عبيد : " وبعضهم يروي هذا عن ابن عباس ؛ ولذلك روجع النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلوا بعمرة ومن أجله قال له سراقة : عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد ؟ حتى قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ونزل القرآن بالرخصة والإذن فيها وهو قوله : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج

قال أبو عبيد : " ثم سن رسول الله صلى الله عليه وسلم القران ، بذلك جاء أكثر الآثار "

332 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن شعبة قال : حدثني حميد بن هلال قال : سمعت مطرفا يقول : قال لي عمران بن حصين : إني سأحدثك عسى الله أن ينفعك به : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم " جمع بين الحج والعمرة ، ثم لم ينه عنه حتى مات ، ولم ينزل القرآن بتحريمه وإنه كان يسلم علي ، فلما اكتويت أمسك عني ، فلما تركته عاد إلي

333 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة ، [ ص: 179 ] عن حجاج بن أرطأة ، عن الحسن بن سعد ، عن ابن عباس قال : أنبأني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " جمع بين حج وعمرة

334 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا حميد ، عن بكر بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " يلبي بالحج والعمرة . قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر ، فقال : لبى بالحج وحده ، قال بكر : فلقيت أنس بن مالك ، فحدثته بقول ابن عمر ، فقال : ما تعدوننا إلا صبيانا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لبيك عمرة وحجا "

[ ص: 180 ]

335 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق ، وعبد العزيز بن صهيب ، وحميد كلهم ، عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لبيك عمرة وحجا

336 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا سيار ، عن أبي وائل ، عن الصبي بن معبد ، أنه كان نصرانيا فأسلم ، فأراد الجهاد ، فقيل له : ابدأ بالحج ، فأتى أبا موسى الأشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل ، فبينا هو يلبي بهما إذ مر يزيد بن صوحان ، وسلمان بن ربيعة ، [ ص: 181 ] فقال أحدهما لصاحبه : لهذا أضل من بعيره ، فسمعها الصبي ، فكبر عليه ، فلما قدم على عمر ذكر له ، فقال له عمر : " هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم .

337 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: وحدثناه أيضا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن الصبي ، عن عمرة ، نحوه إلا أنه لم يذكر أبا موسى في حديثه قال : وقال عمر : " إنهما لا يقولان شيئا هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم "

338 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن علي بن حسين ، عن مروان بن الحكم قال : شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه وعليا رضي الله عنه بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة أن يجمع بينهما ، فلما رأى ذلك علي أهل بهما ، فقال : " لبيك بحجة وعمرة معا " ، فقال عثمان : تراني أنهى الناس وتفعله قال : " لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس

[ ص: 182 ]

339 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن شعبة ، عن قتادة قال : سمعت جري بن كليب يقول : رأيت عثمان ينهى عن المتعة وعلي ، يأمر بها قال : فأتيت عليا ، فقلت : إن بينكما لشرا أنت تأمر بها وعثمان ينهى عنها ، فقال : " ما بيننا إلا خير ، ولكن خيرنا أتبعنا لهذا الدين

340 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: وحدثني أبو المنذر إسماعيل بن عمر ، عن سفيان ، عن بكير بن عطاء الليثي قال : حدثني حريث بن سليم العذري قال : سمعت عليا ، " يلبي بالحج والعمرة جميعا ، يبدأ بالعمرة قبل الحج ، فقال له عثمان : إنك ممن ينظر إليه ، فقال : أنا ، أما إني لم أسمع إلا ما سمعت .

قال أبو عبيد : " وقد كانت عائشة وابن عمر يحدثان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أهل بالحج وحده ، والثبت عندنا أنه قرن ؛ لأن من رواه أكثر ، منهم : عمر ، حين قال للصبي بن معبد وقد قرن بينهما : هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم أن بعض الناس تأوله على الدعاء للصبي وليس هذا عندنا موضع دعاء ؛ لأنه جاءه مستفتيا ، فكيف يجيبه داعيا ؟ وكذلك قول علي لعثمان : لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد ، ومنهم أبو طلحة ، وعمران بن حصين ، وأنس بن مالك ، وقد ذكرنا أحاديثهم ، مع أن رواية من روى الحج خاصة لا ترد رواية الآخرين ولكن هؤلاء حفظوا ما حفظ أولئك وزادوا عليهم شيئا لم يحفظوه ، وهذا مثل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع ، ولم يحفظ الآخرون

[ ص: 183 ] إلا في التكبيرة الأولى ، فليست واحدة من الروايتين برادة للأخرى ، إلا أن الذين حفظوا الزيادة أولى بالاتباع إنما هذا كرجلين شهدا على رجل أنه أقر لصاحبه بألف درهم وشهد آخران أنه أقر له في ذلك المجلس بألف ومائة ، وكلا الفريقين في العدالة سواء ، أفلست ترى أن شهادة الذين زادوا أوجب من أجل أن الأولى لم تكذبهم ، ولكن هؤلاء زادوا ما لم يحفظ أولئك ، فكذلك رواية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في رفع اليدين وفي تلبيته بالعمرة مع الحج ، إنما الثبت عندنا من حفظ الزيادة ، فوجدنا متعة الحج في كتاب الله عز وجل ووجدنا قران الحج والعمرة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزم من أنكر القران أن يبطله البتة ؛ لأن الله تبارك وتعالى إنما أنزل في كتابه المتعة ولا نعلم للقران أصلا إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما القران والمتعة هما تخفيف من الله عز وجل ورخصة إذ رضي من عباده فيهما بسفر واحد يبين ذلك حديث يروى عن ابن عمر

341 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، ومروان بن معاوية ، عن عبد المؤمن الأزدي قال : سمعت ابن عمر ، وسأله رجل عن امرأة صرورة لم تحج ، أتعتمر في حجها ؟ قال : " نعم إن الله عز وجل جعل ذلك رخصة لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام .

[ ص: 184 ] قال أبو عبيد : " وقد كان بعض أهل العلم يتأول هذه الآية على الرخصة لأهل مكة خاصة في سقوط دم المتعة عنهم إن هم تمتعوا وقرنوا ، وإن الذي تأوله عمر خلاف ذلك ، ألا ترى أنه إنما جعل الآية تغليظا على أهل مكة ، ورخصة لسائر الناس سواهم ، فأراد أن الله عز وجل لم يأذن لأهل مكة في المتعة البتة لقوله : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام يقول : ليس لهم التمتع ، وذهب الآخرون إلى أن لهم أن يتمتعوا ولا دم عليهم "

قال أبو عبيد : " فالذي عندنا أنه ليس للتأويل وجه إلا قول ابن عمر من أجل أن من بعدت داره عن مكة إذا أخطأتهم الرخصة في المتعة والقران لم يجدوا بدا من خلتين ، إحداهما : أن يعتمروا قبل أشهر الحج ، ثم يقيموا بمكة حتى يحجوا وفي ذلك طول الثوى والاغتراب عن الأوطان ، والخلة الأخرى : أن ينصرفوا بعد العمرة إلى منازلهم ، ثم ينشئوا للحج سفرا ثانيا في أوانه وكلتا الخلتين فيهما مشقة وأذى ، فأذن الله عز وجل لهم في الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد بمتعة أو قران مع إقامة يسيرة ، وأخرج أهل مكة من هذه الرخصة لأنهم مقيمون في أهليهم لا يتجشمون سفرا ، ولا يطول بهم اغتراب عن وطن ، فلم يجعل لهم أن يعتمروا في أشهر الحج "

قال أبو عبيد : " وإنما نهى عمر بن الخطاب عن هذه المتعة ، فإن ذلك لم يكن منه على وجه التحريم ولا الكراهة لها ، وكيف يأباها وهي في الكتاب والسنة جميعا ، ولكنه كان منه على وجه الاختيار ، وذلك لخلال شتى : إحداهن : الفضيلة ليكون الحج في أشهره المعلومة له ، وتكون العمرة في غيرها من الشهور .

والخلة الثانية : أنه أحب عمارة البيت وأن يكثر زواره في غير الموسم ، والثالثة : أنه أراد إدخال المرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم ، وكل هذه الوجوه قد جاءت بها الأخبار عنه مفسرة

[ ص: 185 ]

342 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمر : " إن تقرنوا بين الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته

343 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه قال : كان عمر يقول : إن الله عز وجل قال : والعمرة لله وأتموا الحج وقال : الحج أشهر معلومات " فأخلصوا أشهر الحج للحج واعتمروا فيما سواها من الشهور ، وذلك أن من اعتمر في أشهر الحج لم تتم عمرته إلا بهدي ، ومن اعتمر في غير أشهر الحج تمت عمرته إلا أن يحب أن يتطوع بهدي غير واجب .

قال أبو عبيد : " فهذا موضع التفضيل " وأما عمارة البيت والنظر لأهل البلد :

344 - فإن أبا معاوية حدثنا ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : " إنما كره عمر العمرة في أشهر الحج إرادة أن لا يعطل البيت في غير أشهر الحج

[ ص: 186 ]

345 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا هشيم قال : أخبرنا أبو بشر ، عن يوسف بن ماهك قال : إنما " نهى عمر عن المتعة ، لمكان أهل البلد ليكون موسمان في عام واحد ، فيصيبهم من منفعتها .

قال أبو عبيد : " وقد جاءنا عنه أوسع من هذا ، إيثار المتعة على غيرها وكذلك يروى عن ابن عمر

346 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان بن كهيل ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : سمعت عمر يقول : " لو اعتمرت ، ثم اعتمرت ، ثم حججت لتمتعت .

347 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أنه سمع عمر يقول ذلك

348 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : " لأن أعتمر في شوال أو في ذي القعدة ، أو في ذي الحجة ، في شهر يجب علي فيه الهدي أحب إلي من أن أعتمر في شهر لا يجب علي فيه الهدي .

[ ص: 187 ] قال أبو عبيد : " فهذا ما جاء في المتعة من الرخصة وقد أباها مع هذا قوم علماء واختار بعضهم أن تختص العمرة بسفر ويفردوها به

349 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : سألت ابن مسعود عن امرأة أرادت أن تجمع مع حجها عمرة ، فقال : " أسمع الله عز وجل يقول : الحج أشهر معلومات ما أراها إلا أشهر الحج .

350 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن شعبة بإسناده مثله

351 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا شريك ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي ، عن ابن أذينة ، أو عن أذينة قال : أتيت عمر فسألته عن تمام العمرة ، فقال : ائت عليا فسله قال : فأتيت عليا فسألته ، فقال : " أن تحرم من حيث أبدأت ، من دويرة أهلك .

قال أبو عبيد : لا نرى عليا أراد أن يجعل وقت الإحرام من بلده ، كان أفقه من أن يريد هذا ؛ لأنه خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المواقيت ، [ ص: 188 ] ولكنا نحسبه ذهب إلى أن يخرج من منزله ناويا للعمرة خالصة لا يخلطها بحج ولكن يخلص لها سفرا ثم يحرم متى ما شاء ، وقد روي عن أبي ذر مثل ذلك

352 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا أبو النضر ، عن المسعودي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه قال : خرجنا عمارا ، فلما انصرفنا مررنا بأبي ذر ، فقال : " أحلقتم الشعر وقضيتم التفث ، أما إن العمرة من مدركم .

قال أبو عبيد : " قوله : من مدركم : هو المذهب الذي أراده يعني : عليا ، أن ينشئ لها سفرا غير سفر الحج ، فالذي صار إليه القول في هذا الباب : أن العمرة في غير أشهر الحج بسفر يختص به إنما هو للفضيلة ، وأن المتعة والإقران مجزيان عن أهلهما عن تمام غير نقص إلا أن عليه الهدي ، فهذا ما جاءت به السنة وتكلمت فيه الأئمة من نسخ المناسك واختلاف وجهها ، فأما الكتاب فلا نعلمه نزل بنسخ شيء منها إلا ما كان من حج المشركين قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم فإن التنزيل كان هو الناسخ له ثم فسرته السنة

[ ص: 189 ]

353 - أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام قال : " كان المسلمون والمشركون يحجون البيت جميعا ، فنهى الله عز وجل المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا لهم ، من مؤمن أو كافر ، ثم أنزل الله عز وجل بعدها : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقال عز وجل : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث