الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الحمد لله رب العالمين

جزء التالي صفحة
السابق

( الحمد ) الثناء على الجميل من نعمة أو غيرها باللسان وحده ، ونقيضه الذم ، وليس مقلوب مدح ، خلافا لابن الأنباري ، إذ هما في التصريفات متساويان ، وإذ قد يتعلق المدح بالجماد ، فتمدح جوهرة ولا يقال تحمد ، والحمد والشكر بمعنى واحد ، أو الحمد أعم ، والشكر ثناء على الله - تعالى - بأفعاله ، والحمد ثناء بأوصافه ، ثلاثة أقوال أصحها أنه أعم ، فالحامد قسمان : شاكر ومثن بالصفات .

( لله ) اللام : للملك وشبهه ، وللتمليك وشبهه ، وللاستحقاق ، وللنسب ، وللتعليل ، وللتبليغ ، وللتعجب ، وللتبيين ، وللصيرورة ، وللظرفية بمعنى في أو عند أو بعد ، وللانتهاء ، وللاستعلاء مثل : ذلك المال لزيد ، أدوم لك ما تدوم لي ، ووهبت لك دينارا ، ( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) ، الجلباب للجارية ، لزيد عم ، ( لتحكم بين الناس ) ، قلت لك ، ولله عينا ، من رأى ، من تفوق ، ( هيت لك ) ( ليكون لهم عدوا وحزنا ) ، ( القسط ليوم القيامة ) ، كتب لخمس خلون ، ( لدلوك الشمس ) ، ( سقناه لبلد ميت ) ، ( يخرون للأذقان ) .

( رب العالمين ) الرب : السيد والمالك والثابت والمعبود والمصلح ، وزاد بعضهم بمعنى الصاحب ، مستدلا بقوله :


فدنا له رب الكلاب بكفه بيض رهاف ريشهن مقزع .



وبعضهم بمعنى الخالق العالم لا مفرد له كالأنام ، واشتقاقه من العلم أو العلامة ، ومدلوله كل ذي روح ، قاله ابن عباس ، أو الناس ، قاله البجلي ، أو الإنس والجن والملائكة ، قاله أيضا ابن عباس ، أو الإنس والجن والملائكة والشياطين ، قاله أبو عبيدة والفراء ، أو الثقلان ، قاله ابن عطية ، أو بنو آدم ، قاله أبو معاذ ، أو أهل الجنة والنار ، قاله الصادق ، أو المرتزقون ، قاله عبد الرحمن بن زيد ، أو كل مصنوع ، قاله الحسن وقتادة ، أو الروحانيون ، قاله بعضهم ، ونقل عن المتقدمين أعداد مختلفة في العالمين وفي مقارها ، الله أعلم بالصحيح . والجمهور قرءوا بضم دال الحمد ، وأتبع إبراهيم بن أبي عبلة ميمه لام الجر لضمة الدال ، كما أتبع الحسن وزيد بن علي كسرة الدال لكسرة اللام ، وهي أغرب ; لأن فيه إتباع حركة معرب لحركة غير إعراب ، والأول بالعكس . وفي قراءة الحسن احتمال أن يكون الإتباع في مرفوع أو منصوب ، ويكون الإعراب إذ ذاك على التقديرين مقدرا منع من ظهوره شغل الكلمة بحركة الإتباع ، كما في المحكي والمدغم . وقرأ هارون العتكي ورؤبة وسفيان بن عيينة الحمد بالنصب . والحمد مصدر معرف بأل ، إما للعهد ، أي الحمد المعروف بينكم لله ، أو لتعريف الماهية ، كـ ( الدينار خير من الدرهم ) ، أي : أي دينار كان فهو خير من أي درهم كان ، فيستلزم إذ ذاك الأحمدة كلها ، أو لتعريف الجنس ، فيدل على استغراق الأحمدة كلها بالمطابقة . والأصل في الحمد لا يجمع لأنه مصدر . وحكى ابن الأعرابي : جمعه على أحمد ، كأنه راعى فيه جامعه اختلاف الأنواع ، قال :


وأبلج محمود الثناء خصصته     بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي .



وقراءة الرفع أمكن في المعنى ، ولهذا أجمع عليها السبعة ; لأنها تدل على ثبوت الحمد واستقراره لله - تعالى - فيكون قد أخبر بأن الحمد مستقر لله - تعالى - أي حمده وحمد غيره . ومعنى اللام في لله الاستحقاق ، ومن [ ص: 19 ] نصب فلا بد من عامل تقديره أحمد الله أو حمدت الله ، فيتخصص الحمد بتخصيص فاعله ، وأشعر بالتجدد والحدوث ، ويكون في حالة النصب من المصادر التي حذفت أفعالها وأقيمت مقامها ، وذلك في الأخبار ، نحو شكرا لا كفرا . وقدر بعضهم العامل للنصب فعلا غير مشتق من الحمد ، أي أقول الحمد لله ، أو الزموا الحمد لله ، كما حذفوه من نحو اللهم ضبعا وذئبا ، والأول هو الصحيح لدلالة اللفظ عليه . وفي قراءة النصب اللام للتبيين ، كما قال أعني لله ، ولا تكون مقوية للتعدية ، فيكون لله في موضع نصب بالمصدر لامتناع عمله فيه . قالوا : سقيا لزيد ، ولم يقولوا : سقيا زيدا ، فيعملونه فيه ، فدل على أنه ليس من معمول المصدر ، بل صار على عامل آخر .

وقرأ زيد بن علي وطائفة ( رب العالمين ) بالنصب على المدح ، وهي فصيحة لولا خفض الصفات بعدها ، وضعفت إذ ذاك . على أن الأهوازي حكى في قراءة زيد بن علي أنه قرأ ( رب العالمين ) ( الرحمن الرحيم ) بنصب الثلاثة ، فلا ضعف إذ ذاك ، وإنما تضعف قراءة نصب رب وخفض الصفات بعدها لأنهم نصوا أنه لا إتباع بعد القطع في النعوت ، لكن تخريجها على أن يكون الرحمن بدلا ، ولا سيما على مذهب الأعلم ، إذ لا يجيز في الرحمن أن يكون صفة ، وحسن ذلك على مذهب غيره كونه وصفا خاصا وكون البدل على نية تكرار العامل ، فكأنه مستأنف من جملة أخرى ، فحسن النصب . وقول من زعم أنه نصب " رب " بفعل دل عليه الكلام قبله ، كأنه قيل : نحمد الله رب العالمين ، ضعيف ; لأنه مراعاة التوهم ، وهو من خصائص العطف ، ولا ينقاس فيه . ومن زعم أنه نصبه على البدل فضعيف للفصل بقوله الرحمن الرحيم ، ورب مصدر وصف به على أحد وجوه الوصف بالمصدر ، أو اسم فاعل حذفت ألفه ، فأصله راب ، كما قالوا : رجل بار وبر ، وأطلقوا الرب على الله وحده ، وفي غيره قيد بالإضافة نحو رب الدار . وأل في العالمين للاستغراق ، وجمع العالم شاذ لأنه اسم جمع ، وجمعه بالواو والنون أشذ للإخلال ببعض الشروط التي لهذا الجمع ، والذي أختاره أنه ينطلق على المكلفين لقوله - تعالى - : ( إن في ذلك لآيات للعالمين ) ، وقراءة حفص بكسر اللام توضح ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث