الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما شرائطها فذكر العلامة الحلبي في شرح منية المصلي أنه لم يطلع عليها صريحة في كلام الأصحاب ، وإنما تؤخذ من كلامهم ، وهي تنقسم إلى شروط وجوب وشروط صحة ، فالأولى تسعة : الإسلام والعقل والبلوغ ووجود الحدث ووجود الماء المطلق الطهور الكافي والقدرة على استعماله وعدم الحيض ، وعدم النفاس وتنجيز خطاب المكلف كضيق الوقت ، والثانية أربعة : مباشرة الماء المطلق الطهور لجميع الأعضاء وانقطاع الحيض وانقطاع النفاس وعدم التلبس في حالة التطهير بما ينقضه في حق غير المعذور بذلك ا هـ .

والإضافة فيه بمعنى اللام كما لا يخفى وجعلها بمعنى من بعيد ; لأن ضابطها كما في التسهيل صحة تقديرها مع صحة الإخبار عن الأول بالثاني كخاتم فضة ، وهو مفقود هنا إذ لا يصح أن يقال الكتاب طهارة ( قوله : فرض الوضوء غسل وجهه ) قدمه على الغسل ; لأن الحاجة إليه أكثر ; ولأن محله جزء من محل الغسل أو لتقديمه عليه في القرآن أو في تعليم جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام واختلف في الفرض لغة ففي الصحاح الفرض الحز في الشيء والفرض جنس من التمر والفرض ما أوجبه الله سمي بذلك ; لأن له معالم وحدودا ا هـ .

وفي التلويح المشهور أنه حقيقة في القطع والإيجاب وذهب الأصوليون إلى أنه حقيقة في التقدير مجاز في غيره ; لأن اللفظ إذا دار بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى يقال فرض القاضي النفقة إذا قدرها ا هـ وأما في الاصطلاح ففي التحرير الفرض ما قطع بلزومه من فرض قطع . ا هـ .

وهو بمعنى قولهم ما لزم فعله بدليل قطعي وعرفه في [ ص: 11 ] الكافي بما يفوت الجواز بفوته ، وهو يشمل كل فرض بخلاف الأول إذ يخرج عنه المقدار في مسح الرأس ، فإنه فرض مع أنه ثبت بظني لكنه تعريف بالحكم موجب للدور وفي العناية أن المفروض في مسح الرأس قطعي ; لأن خبر الواحد إذا لحق بيانا للمجمل كان الحكم بعده مضافا إلى المجمل دون البيان والمجمل من الكتاب والكتاب دليل قطعي . ا هـ .

وهو ينبني على أن الآية مجملة وسيأتي تضعيفه والظاهر من كلامهم في الأصول والفروع أن المفروض على نوعين قطعي وظني ، وهو في قوة القطعي في العمل بحيث يفوت الجواز بفوته فالمقدر في مسح الرأس من قبيل الثاني ، وعند الإطلاق ينصرف إلى الأول لكماله ، والفارق بين الظني القوي المثبت للفرض ، وبين الظني المثبت للواجب اصطلاحا خصوص المقام وليس إكفار جاحد الفرض لازما له ، وإنما هو حكم الفرض القطعي المعلوم من الدين بالضرورة وذكر في العناية لا نسلم انتفاء اللازم في مقدار المسح ; لأن الجاحد من لا يكون مؤولا وموجب الأقل أو الاستيعاب مؤول يعتمد شبهة قوية وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين ألا ترى أن أهل البدع لم يكفروا بما منعوا مما دل عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة لتأويلهم ا هـ .

وأما غسل المرافق والكعبين ففرضيته بالإجماع كما سنحققه وكذا العقدة الأخيرة لا بفعله في الأول وخبر الواحد في الثاني ولا بما قيل في الغاية كما قد يتوهم وذكر في النهاية أنه يجوز أن يكون الفرض في مقدار المسح بمعنى الواجب لالتقائهما في معنى اللزوم وتعقب بأنه مخالف لما اتفق عليه الأصحاب إذ لا واجب في الوضوء وقد يدفع بأن الذي وقع الاتفاق عليه هو الواجب الذي لا يفوت الجواز بفوته فلا مخالفة بل يحصل بتركه النقصان والكلام هنا في الواجب الذي يفوت الجواز بفوته فلا مخالفة والفروض بمعنى المفروض والإضافة فيه بيانية إذ الفرض قد يكون من غيره والوضوء مأخوذ من الوضاءة ، وهي النظافة والحسن وقد وضؤ يوضؤ وضاءة فهو وضيء كذا في طلبة الطلبة وفي المغرب أنه بالضم المصدر وبالفتح الماء الذي يتوضأ به ا هـ .

وفي الاصطلاح الشرعي غسل الأعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس والغسل بفتح الغين إزالة الوسخ عن الشيء ونحوه بإجراء الماء عليه لغة وبالضم اسم من الاغتسال ، وهو تمام غسل الجسد واسم للماء الذي يغتسل به وبالكسر ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره واختلف في معناه الشرعي فقال أبو حنيفة ومحمد ، هو الإسالة مع التقاطر ، ولو قطرة حتى لو لم يسل الماء بأن استعمله استعمال الدهن لم يجز في ظاهر الرواية وكذا لو توضأ بالثلج ولم يقطر منه شيء لم يجز وعن خلف بن أيوب قال ينبغي للمتوضئ في الشتاء أن يبل أعضاءه بالماء شبه الدهن ثم يسيل الماء عليها ; لأن الماء يتجافى عن الأعضاء في الشتاء كذا في البدائع وعن أبي يوسف هو مجرد بل المحل بالماء سال أو لم يسل ثم على القولين الدلك ليس من مفهومه ، وإنما هو مندوب وذكر في الخلاصة أنه سنة ، وحده إمرار اليد على الأعضاء المغسولة والضمير في وجهه عائد إلى المتوضئ المستفاد من الوضوء

[ ص: 12 ] ( قوله ، وهو من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن وإلى شحمتي الأذن ) أي الوجه وقصاص الشعر مقطعه ومنتهى منبته من مقدم الرأس أو حواليه ، وهو مثلث القاف والضم أعلاها وفي الصحاح ذقن الإنسان مجتمع لحييه . ا هـ .

واللحي منبت اللحية من الإنسان وغيره والنسبة إليه لحوي ، وهما لحيان وثلاثة ألح على أفعل إلا إنهم كسروا الحاء لتسلم الياء والكثير لحي على فعول وفي المغرب اللحي العظم الذي عليه الأسنان . ا هـ .

وهذا الحد للوجه مروي في غير رواية الأصول ، ولم يذكر حده في ظاهر الرواية قال في البدائع : وهذا تحديد صحيح ; لأنه تحديد الشيء بما ينبئ عنه اللفظ لغة ; لأن الوجه اسم لما يواجه به الإنسان أو ما يواجه إليه في العادة والمواجهة تقع بهذا المحدود فوجب غسله قبل نبات الشعر ، فإذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء كثيفا كان الشعر أو خفيفا ; لأن ما تحته خرج أن يكون وجها ; لأنه لا يواجه إليه ، وكذلك لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر الحاجبين والشارب ا هـ .

والمراد بالخفيفة التي لا ترى بشرتها أما التي ترى بشرتها ، فإنه يجب إيصال الماء إلى ما تحتها كذا في فتح القدير وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول من قال إنه يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر الشارب على ما إذا كان بحيث يبدو منابت الشعر ، وقد جعله في التجنيس من الآداب وصرح الولوالجي في باب الكراهية على أن المفتي به أنه لا يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالحاجبين ، وأما الشفة فقيل تبع للفم وقال أبو جعفر : ما انكتم عند انضمامه فهو تبع له وما ظهر فللوجه وصححه في الخلاصة وذكر في المجتبى لا تغسل العين بالماء ولا بأس بغسل الوجه مغمضا عينيه وقال الفقيه أحمد بن إبراهيم : إن غمض عينيه شديدا لا يجوز ، ولو رمدت عينه فرمصت يجب إيصال الماء تحت الرمص إن بقي خارجا بتغميض العين ، وإلا فلا وفي المغرب الرمص ما جمد من الوسخ في الموق والموق مؤخر العين والماق مقدمها ا هـ .

وفي المجتبى ولا يدخل في حد الوجه النزعتان ، وهو ما انحسر من الشعر من جانبي الجبهة إلى الرأس ; لأنه من الرأس ا هـ .

والنزعة بالفتح وأفاد المصنف أن البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه فيجب غسله ، وهو ظاهر المذهب كما ذكره الحلواني ، وهو الصحيح وعليه أكثر مشايخنا كما ذكره الطحاوي ، وهو الصحيح من المذهب كما ذكره السرخسي وعن أبي يوسف عدمه كذا في البدائع وظاهره أن مذهبه بخلافه

وفي تبيين الحقائق أن قوله من قصاص الشعر خرج مخرج الغالب ، وإلا فحد الوجه في الطول من مبدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين كان عليه شعر أو لم يكن . ا هـ .

لأنه يرد عليه الأغم والأصلع ; لأن الأغم الذي على جبهته شعر لا يكفي غسله من قصاص شعره والأصلع الذي انحسر شعره إلى وسط رأسه لا يجب عليه أن يغسله من قصاص شعره على الأصح كما في الخلاصة ، وصرح في المجتبى بالخلاف فيه ، فقيل إن قل فمن الوجه وإن كثر فمن الرأس والصحيح أنه من الرأس حتى جاز المسح عليه ، وفي المغرب عذار اللحية جانباها ، وشحمه الأذن ما لان منها ( قوله : ويديه بمرفقيه ) أي مع مرفقيه فالباء للمصاحبة بمعنى مع نحو { اهبط بسلام } أي معه والفرق بين استعمالها بمعنى مع وبين الباء أن مع لابتداء المصاحبة والباء لاستدامتها كذا ذكره ابن الملك في بحث القياس والمرفق بكسر الميم وفتح الفاء ، وفيه العكس اسم لملتقى العظمات : عظم العضد وعظم الذارع وأشار المصنف إلى أن إلى في الآية بمعنى مع ، وهو مردود ; لأنهم قالوا إن اليد من [ ص: 13 ] رءوس الأصابع للمنكب ، فإذا كانت إلى بمعنى مع وجب الغسل إلى المنكب ; لأنه كاغسل القميص وكمه وغايته أنه كإفراد فرد من العام إذ هو تنصيص على بعض متعلق الحكم بتعليق عين ذلك الحكم ، وذلك لا يخرج غيره ، ولو أخرج كان بمفهوم اللقب ، وهو ليس بحجة

وما في المحيط من أنه لما كان المرفق ملتقى العظمين ولا يمكن التمييز بينهما فلما وجب غسل الذارع ولا يمكن تحديده وجب غسل المرفق احتياطا مردود ; لأنه لم يتعلق الأمر بغسل الذراع ليجب غسل ما لازمه ، وإنما تعلق الأمر بغسل اليد إلى المرفق وما بعد إلى لما لم يدخل جزآهما الملتقيان وما في البدائع من أنه لما احتمل الدخول واحتمل الخروج صار مجملا وفعله عليه السلام بيان للمجمل مردود بأن عدم دلالة اللفظ لا يوجب الإجمال والأصل براءة الذمة ، وإنما يوجب الدلالة المتشبهة فبقي مجرد فعله دليل السنة وما في غاية البيان من أنها قد تدخل ، وقد لا تدخل فتدخل احتياطا مردود ; لأن الحكم إذا توقف على الدليل لا يجب مع عدمه والاحتياط العمل بأقوى الدليلين ، وهو فرع تجاذبهما ، وهو منتف ، وما في الهداية وغيرها من أنه غاية لمقدر تقديره اغسلوا أيديكم مسقطين إلى المرافق مردود ; لأن الظاهر تعلقه باغسلوا وتعلقه بمقدر خلاف الظاهر بلا ملجئ مع أن المقصود منه الإسقاط ، وهو لا يوجبه عما فوق المرفق بل عمل قبله باللفظ إذ يحتمل أسقطوا من المنكب إلى المرفق أو من رءوس الأصابع إلى المرفق فلم يتعين الأول كما لا يخفى وفرقهم بين غاية الإسقاط وبين غاية المد بأن صدر الكلام إن كان متناولا لما بعد إلى ، فهي للإسقاط كمسألتنا ، وإلا فهي للمد نحو { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ليس بمطرد لانتقاضه بالغاية في اليمين ، فإن ظاهر الرواية عدم الدخول كما إذا حلف لا يكلمه إلى عشرة أيام لا يدخل العاشر مع تناول الصدر له كما في جامع الفصولين ، وكذلك رأس السمكة في قوله والله لا آكل السمكة إلى رأسها ، فإنها لا تدخل مع التناول المذكور

وما ذكره المحققون ومنهم الزمخشري والتفتازاني من أن إلى تفيد معنى الغاية مطلقا ، فأما دخولها في الحكم وخروجها عنه فأمر يدور مع الدليل فما فيه دليل الخروج قوله تعالى { فنظرة إلى ميسرة } ومما فيه دليل الدخول آية الإسراء للعلم بأنه لا يسرى به إلى المسجد الأقصى من غير أن يدخله وما نحن فيه لا دليل فيه على أحد الأمرين فقالوا بدخولهما احتياطا إذ لم يرو عنه قط صلى الله عليه وسلم ترك غسلهما فلا يفيد الافتراض ; لأن الفعل لا يفيده وتقدم منع الاحتياط والحق أن شيئا مما ذكروه لا يدل على الافتراض ، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيتهما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في الأم : لا نعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء ، وهذا منه حكاية للإجماع قال في فتح الباري : بعد نقله عنه فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله وكذا من قال ذلك من أهل الظاهر بعده ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا ، وإنما حكى عنه أشهب كلاما محتملا وحكم [ ص: 14 ] الكعبين كالمرفقين ، وإذا كان في أظفاره درن أو طين أو عجين أو المرأة تضع الحناء جاز في القروي والمدني ، وهو صحيح وعليه الفتوى ، ولو لصق بأصل ظفره طين يابس وبقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم يجز ، وإذا كان في أصبعه خاتم إن كان ضيقا فالمختار أنه يجب نزعه أو تحريكه بحيث يصل الماء إلى ما تحته ، ولو قطعت يده أو رجله فلم يبق من المرفق والكعب شيء سقط الغسل ، ولو بقي وجب ، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رءوس الأصابع وجب غسلها بلا خلاف ، ولو خلق له يدان على المنكب فالتامة هي الأصلية يجب غسلها ، والأخرى زائد فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله وما لا فلا يجب بل يندب غسله

وكذا يجب غسل ما كان مركبا على اليد من الأصبع الزائدة والكف الزائدة والسلعة وكذا يجب إيصال الماء إلى ما بين الأصابع إذا لم تكن ملتحمة ( قوله : ورجليه بكعبيه ) أي مع كعبيه كما تقدم والكعبان هما العظمان الناشزان من جانبي القدم أي المرتفعان كذا في المغرب وصححه في الهداية وغيرها وروى هشام عن محمد أنه في ظهر القدم عند مقعد الشراك قالوا هو سهو من هشام ; لأن محمدا إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين وأشار محمد بيده إلى موضع القطع فنقله هشام إلى الطهارة ويرد على هشام من جهة المعنى أيضا بأن ما يوجد من خلق الإنسان ، فإن تثنيته بعبارة الجمع كقوله تعالى { فقد صغت قلوبكما } أي قلباكما وما كان اثنين من خلقه فتثنيته بلفظها ، ولو كان كما زعمه هشام لقيل الكعاب كالمرافق كذا في المبسوط وغيره وقد يقال : إنه غير متعين لجواز أن يعتبر الكعبان بالنسبة إلى ما للمرء من جنس الرجل ، وهو اثنان لا بالنظر إلى كل رجل وحدها فالأولى الرد عليه من اللغة والسنة أما اللغة فقد صرح في الصحاح بأنه العظم الناشز كما ذكرناه قال وأنكر الأصمعي قول الناس إنه في ظهر القدم ا هـ .

قالوا الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو ومنه سميت الكعبة لارتفاعها

وأما السنة فما رواه أبو داود مرفوعا { والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه } وما وقع في الشروح من أنه كان ينبغي غسل يد واحدة ورجل واحدة ; لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد .

والجواب بأن وجوب واحدة بالعبارة والأخرى بالدلالة لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع القطعي على افتراضهما بحيث صار معلوما من الدين بالضرورة ، ومن البحث في إلى وفي القراءتين في الأرجل ، فإن الإجماع انعقد على غسلهما ولا اعتبار بخلاف الروافض فلذا تركنا ما قرروه هنا والزائد على الرجلين كالزائد على اليدين كما صرح به في المجتبى ، ولو قال ورجليه بكعبيه أو مسح على خفيه لكان أولى ( قوله : ومسح ربع رأسه ) هو في اللغة إمرار اليد على الشيء واصطلاحا إصابة اليد المبتلة العضو ، ولو ببلل باق بعد غسل لا بعد مسح والآلة لم تقصد إلا للإيصال إلى المحل فإذا أصابه من المطر قدر الفرض أجزأه ، ولو مسح ببلل في يده أخذه من عضو آخر لم يجز مطلقا ، وفي مقدار الفرض روايات أصحها رواية ودراية ما في المختصر

أما الأول فلاتفاق المتون عليها ، ولنقل المتقدمين لها كأبي الحسن الكرخي وأبي جعفر الطحاوي ورواية الناصية غيرها ; لأن الناصية أقل من ربع الرأس ، وأما الدراية فاختلف في توجيهها ففي الهداية أن الكتاب مجمل ، وأن حديث المغيرة من مسحه عليه السلام بناصيته التحق بيانا له ، وهو مردود بأوجه : .

الوجه الأول : أنه لا إجمال [ ص: 15 ] فيها ; لأنه إن لم يكن في مثله عرف يصحح إرادة البعض أفاد مسح مسماه ، وهو الكل أو كان أفاد بعضا مطلقا ويحصل في ضمن الاستيعاب وغيره فلا إجمال كذا في التحرير وما في البدائع من تقدير الإجمال بأنها احتملت الباء للصلة والإلصاق والتبعيض ولا دليل على تعيين بعضها مدفوع بأن معناها عند المحققين الإلصاق ; لأنه المعنى المجمع عليه بخلاف غيره ، فإنه لم يثبته المحققون فإن التبعيض ليس معنى أصليا بل يحصل في ضمن الإلصاق كذا في فتح القدير وقال في التحرير واعلم أن طائفة من المتأخرين ادعوا التبعيض في نحو شربن بماء البحر وابن جني يقول في سر الصناعة لا نعرفه لأصحابنا .

والحاصل أنه ضعيف للخلاف القوي ; ولأن الإلصاق الجمع عليه لها ممكن فيثبت التبعيض اتفاقيا لعدم استيعاب الملصق لا مدلولا ا هـ .

الثاني : أن الباء المتنازع فيها موجودة في حديث المغيرة فهي مجملة على ما ادعوه فكيف تبين المجمل فيعود النزاع في الحديث أيضا الثالث أن جعل حديث المغيرة مبينا للآية موقوف على إثبات أن هذا الوضوء أول وضوئه عليه السلام بعد نزول الآية ; لأنه لو لم يكن كذلك لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهو غير جائز اتفاقا ، ولم يثبت ذلك إذ لو ثبت لنقل ، ولئن كان كذلك فلا ينتفي التأخير بالنسبة إلى الذين لم يحضروا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ الظاهر أن جميع المسلمين لم يكونوا حضورا في تلك السباطة وإلا لنقل ; لأنها حادثة تعم بها البلوى فعلم به أنه لا إجمال في الآية

الرابع : أن الناصية ليست قدر الربع بدليل أن صاحب البدائع وغيره نقلوا عن أبي حنيفة روايتين في رواية المفروض مقدار الناصية ، وفي رواية الربع وذكر الإسبيجابي رواية مقدار الناصية ثم قال هذا إذا كانت الناصية تبلغ ربع الرأس ، وإذا كانت الناصية لا تبلغ الربع لا يجوز فدل على تغايرهما ، وفي ضياء الحلوم الناصية مقدم الرأس ، وفي شرح الإرشاد الناصية ما بين النزعتين من الشعر ، وهي دون الربع واختار المحققون كصدر الشريعة وابن الساعاتي وفي البديع وابن الهمام أن الباء للإلصاق والفعل الذي هو المسح قد تعدى إلى الآلة ، وهي اليد ; لأن الباء إذا دخلت في الآلة تعدى الفعل إلى كل الممسوح كمسحت رأس اليتيم بيدي أو على المحل تعدى الفعل إلى الآلة والتقدير وامسحوا أيديكم برءوسكم فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبا سوى ربعه فتعين مرادا من الآية وهو المطلوب والاستيعاب في التيمم لم يكن بالآية بل بالسنة كما صرح به في البدائع وغيره ، وأما رواية ثلاث أصابع فقد ذكر في البدائع أنها رواية الأصول وفي غاية البيان أنها ظاهر الرواية وفي معراج الدراية أنها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين من أصحابنا وصححها في شرح القدوري

وقال في الظهيرية وعليها الفتوى ووجهوها بأن الواجب إلصاق اليد والأصابع أصلها والثلاث أكثرها وللأكثر حكم الكل ومع ذلك ، فهي غير المنصور رواية ودارية أما الأول فلنقل المتقدمين رواية الربع كما ذكرناه ، وأما الثاني ; فلأن المقدمة الأخيرة في حيز المنع ; لأنها من قبيل المقدر الشرعي بواسطة تعدي الفعل إلى تمام اليد ، فإنه به يتقدر قدرها من الرأس وفيه يعتبر عين قدره كذا في فتح القدير وعزاها في النهاية إلى محمد وعزا رواية الربع إليهما ، وهو الحق ، ولو وضع ثلاث أصابع ، ولم يمدها جاز على رواية الثلاث لا الربع ، ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة لم يجز وينبغي أن يكون اتفاقا ، ولو مدها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز عند [ ص: 16 ] أصحابنا خلافا لزفر ، وكذا بأصبع أو أصبعين ، ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات وأعادها إلى الماء في كل مرة جاز في رواية محمد أما عندهما فلا يجوز ، ولو مسح بأطراف أصابعه والماء متقاطر جاز ، وإن لم يكن متقاطرا لا يجوز ; لأن الماء إذا كان متقاطرا فالماء ينزل من أصابعه إلى أطرافها ، فإذا مده صار كأنه أخذ ماء جديدا كذا في المحيط ، وذكر في الخلاصة ، ولو مسح بأطراف أصابعه يجوز سواء كان الماء متقاطرا أو لا و هو الصحيح ، وفي البدائع ، ولو مسح بأصبع واحدة ببطنها وبظهرها وبجانبها لم يذكر في ظاهر الرواية واختلف المشايخ قال بعضهم : لا يجوز

وقال بعضهم : يجوز ، وهو الصحيح ; لأن ذلك في معنى المسح بثلاث أصابع ا هـ .

ولا يخفى أنه لا يجوز على المذهب من اعتبار الربع ، وأما ما في شرح المجمع لابن الملك من أنه لا يجوز اتفاقا في الأصح ففيه نظر نعم صرح بالتصحيح من غير ذكر الاتفاق شمس الأئمة السرخسي ثم صاحب الخلاصة ومنية المفتي ، ولو أدخل رأسه الإناء أو خفه أو جبيرته ، وهو محدث قال أبو يوسف : يجزئه المسح ولا يصير الماء مستعملا سواء نوى أو لم ينو وقال محمد : إن لم ينو يجزئه ، ولا يصير مستعملا ، وإن نوى المسح اختلف المشايخ على قوله قال بعضهم : لا يجزئه ويصير الماء مستعملا والصحيح أنه يجوز ولا يصير الماء مستعملا كذا في البدائع فعلم بهذا أن ما في المجمع من الخلاف في هذه المسألة على غير الصحيح بل الصحيح أن لا خلاف ، وعلم أيضا أنه لا فرق بين الرأس والخف والجبيرة خلافا لما ذكره ابن الملك ومحل المسح على الشعر الذي فوق الأذنين لا ما تحتهما كذا في الخلاصة والمسح على شعر الرأس ليس بدلا عن المسح على البشرة ; لأنه يجوز مع القدرة على المسح على البشرة ، ولو كان بدلا لم يجز ا هـ .

( قوله : ولحيته ) بالجر عطف على رأسه يعني وربع لحيته ، وإنما عيناه لما صرح به المصنف في الكافي ، وإن جاز فيه وجه آخر ، وهو العطف على الربع ليفيد مسح الجميع ، وهنا روايات في المفروض في اللحية مع الاتفاق على عدم وجوب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية من بشرة الوجه فروي مسح ربعها واختاره المصنف وعبر عنه في الكافي بقوله ولنا وروي مسح كلها وروي مسح ما يلاقي البشرة وصححه قاضي خان في شرح الجامع الصغير وتبعه في المجمع وروي مسح الثلث وروي عدم وجوب شيء والصحيح وجوب غسلها بمعنى افتراضه كما صرح به في السراج الوهاج وعليه الفتوى كما في الظهيرية وفي البدائع أن ما عدا هذه الرواية مرجوع عنه والعجب من أصحاب المتون في ذكر المرجوع عنه وترك المرجوع إليه المصحح المفتى به مع دخولها في حد الوجه المتقدم كما ذكره في فتح القدير ، وهذا كله في الكثة أما الخفيفة التي ترى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها ، وهذا كله في غير المسترسل

وأما المسترسل فلا يجب غسله ولا مسحه لكن ذكر في منية المصلي أنه سنة ، ولو أمر الماء على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب عليه غسل الذقن كالرأس وظاهر كلامهم أن المراد باللحية الشعر النابت على الخدين من عذار وعارض والذقن وفي شرح الإرشاد اللحية الشعر النابت بمجتمع اللحيين والعارض ما بينهما وبين العذار وهو القدر المحاذي للأذن يتصل من الأعلى بالصدغ ومن الأسفل بالعارض .

التالي السابق


( قوله : وهي تنقسم إلى شروط وجوب وشروط صحة إلخ ) وقد نظمت ذلك بقولي

شروط الوجوب تسعة تمام العقل والبلوغ والإسلام     ونفي حيض وانتفا النفاس
وحدث وضيق وقت الناس     ومطلق الماء الطهور الكافي
وقدرة استعماله الموافي     وشروط صحة وذاك أربع
فقد النفاس ثم حيض يقطع     وأن يعم الماء كل الأعضا
ثم انتفاء ما يفيد النقضا

( قوله : فرض الوضوء إلخ ) أقول : قال الرملي في شرح المنهاج وليس من خصوصيات هذه الأمة كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى ، وإنما الخاص بها الغرة والتحجيل ا هـ .

وقال شيخ شيخنا ابن قاسم في حاشيته على شرح المنهج لشيخ الإسلام : الوضوء من خصائص هذه الأمة قاله الحليمي ونوزع بما ورد هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي والأصل فيما ثبت في حق الأنبياء أن يثبت في حق أممهم وقال شيخنا ابن حجر إنه من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم لكن ينافيه ما في البخاري من قصة سارة أن الملك لما هم بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي ومن قصة جريج الراهب أنه قام فتوضأ وصلى وقد يجاب بأن الذي اختصت به هذه الأمة هذا الوضوء والمخصوص ومنه الغرة والتحجيل كما في مسلم ا هـ .

ويمكن أن يجاب أيضا بأن المراد فيما ذكر الوضوء اللغوي تأمل فربما رجع حاصل هذا للأول . ا هـ . رملي

( قوله : وأما في الاصطلاح ففي التحرير الفرض ما قطع بلزومه إلخ ) قال في النهر : وعرفه بعضهم بأنه ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه ، وهو ليس بمانع لشموله بعض المباحات والنوافل الثابتين بدليل لا شبهة فيه كقوله تعالى { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } { وإذا حللتم فاصطادوا } والمختار في تعريفه كما في شرح المنار أنه الحكم الذي ثبت بدليل قطعي واستحق تاركه كليا بلا عذر العقاب ويمكن حمل الثبوت في قول البعض ما ثبت بدليل إلخ على اللزوم فيكون التعريف مانعا فيندفع الإشكال ا هـ .

قلت : وقد كتبت في حواشي شرح المنار للحصكفي أن ما ذكر خرج بقوله لا شبهة فيه ، فإن شبهة نكرة في سياق النفي فعمت الشبهة ثبوتا ودلالة فلا بد في دليل الفرض من قطعيتهما وكونه كذلك فيما ذكر ممنوع ، فإن المأمور به فيهما من منافعنا لا علينا وأنه يمكن دفعه من وجه آخر ، وهو أن الضمير في ثبتت للفرضية بالمعنى اللغوي أي ما ثبتت قطعيته وما ذكر ثبت إباحته وندبه [ ص: 11 ]

( قوله : والظاهر من كلامهم في الأصول والفروع إلخ ) ظاهره أن تسمية الفرض العملي فرضا حقيقية ويوافقه ما في شرح القهستاني حيث ذكر أن الفرض القطعي يقال على ما يقطع الاحتمال أصلا كحكم يثبت بمحكم الكتاب ومتواتر السنة ويسمى بالفرض القطعي ويقال له الواجب وعلى ما يقطع الاحتمال الناشئ عن دليل كما ثبت بالظاهر والنص والمشهور ويسمى بالظني ، وهو ضربان ما هو لازم في زعم المجتهد كمقدار المسح ويسمى بالفرض الظني وما هو دون الفرض وفوق السنة كالفاتحة ويسمى بالواجب ا هـ .

وكذا قال في النهاية إن الفرض نوعان قطعي وظني على زعم المجتهد ا هـ .

ولا يخفى مخالفته لما أطبق عليه الأصوليون من أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه قال فخر الإسلام في أصوله الحكم إما أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به أو لا والأول هو الفرض والثاني إما أن يستحق تاركه العقاب أو لا والأول هو الواجب إلخ ثم قال : وأما الفرض فحكمه اللزوم علما بالعقل وتصديقا بالقلب ، وهو الإسلام وعملا بالبدن ، وهو من أركان الشرائع ويكفر جاحده ويفسق تاركه بلا عذر

وأما حكم الوجوب فلزومه عملا بمنزلة الفرض لا علما على اليقين لما في دليله من الشبهة حتى لا يكفر جاحده ويفسق تاركه وهكذا في غير ما كتاب من كتب الأصول كالمغني والمنتخب والتنقيح والتلويح والتحرير والمنار وغيرها وفي التصريح ثم استعمال الفرض فيما ثبت بظني والواجب فيما ثبت بقطعي شائع مستفيض كقولهم الوتر واجب فرض وتعديل الأركان فرض ونحو ذلك يسمى فرضا عمليا وكقولهم الزكاة واجبة والصلاة واجبة ونحو ذلك فلفظ الواجب أيضا يقع على ما هو فرض علما وعملا كصلاة الفجر وعلى ظني هو في قوة الفرض في العمل كالوتر عند أبي حنيفة حتى يمنع تذكره صحة الفجر كتذكر العشاء وعلى ظني هو دون الفرض في العمل وفوق السنة كتعيين الفاتحة حتى لا تفسد الصلاة بتركها لكن يجب سجدة السهو . ا هـ . ( قوله : وحده ) أي الدلك [ ص: 12 ]

( قول المصنف وإلى شحمتي الأذن ) قال في النهر من عطف الجمل إذا لا يصح عطفه على قوله إلى أسفل ذقنه نهر ( قوله : أي الوجه ) تفسير لمرجع الضمير قال الرملي ( فائدة ) ذكر بعضهم الفرق بين التفسير بأي والتفسير بيعني أن التفسير بأي للبيان والتوضيح والتفسير بيعني لدفع السؤال وإزالة الوهم . ا هـ .

وهذا أغلبي واصطلاح لبعض العلماء ، وإلا فبعضهم لا يفرق بينهما كما في حواشي ابن قاسم على جمع الجوامع ( قوله : والمراد بالخفيفة ) تأويل لقول البدائع أو خفيفا لإيهامه عدم وجوب إيصال الماء إلى ما تحت التي ترى بشرتها كيف وقد ذكر في النهر أنه لا خلاف في وجوبه وفي قول البدائع ; لأن ما تحته خرج أن يكون وجها إلخ إشارة إلى هذا التأويل ( قوله : وظاهره أن مذهبه بخلافه ) قال الرملي : وذلك ; لأن لفظة عن دالة على أنه رواية عنه لا أنه قوله : وإلا لقال بدل عن وعند ( قول المصنف ويديه بمرفقيه ) قيل كان الأولى أن يقول ومرفقيه بيديه لما تقرر في النحو أن مدخول مع هو المتبوع تقول جاء زيد مع السلطان لا عكسه لكن نقل في الأطوال أن دخول مع شاع على المتبوع فما هنا إما أن يخرج على غير الشائع أو ينزل منزلة المتبوع لكمال العناية به مبالغة في الأنكار على المخالف

( قوله : وأشار المصنف إلى أن إلى في الآية بمعنى مع ) أقول : إن كان المراد أن ذلك من عبارة المتن فهذه الإشارة في حيز المنع إذ كون الباء بمعنى مع في كلام المصنف لا يفهم منه أن إلى في الآية بمعناها حتى يرد الرد المذكور لاحتمال كونها باقية على معناها وأن ما فوق المرافق خارج بالإجماع على أنه لو قيل اغسل جسدك [ ص: 13 ] إلى الترقوة مثلا لا يتوهم منه غسل الجميع بل الذي يتبادر إلى الفهم بحسب العرف أن المغسول ما تحتها لتعذر غسل ما فوقها دونها ودون ما تحتها إذ يحتاج إلى غاية التكلف فهو بدون الإجماع يفهم منه غسل الأيدي من رءوس الأصابع إلى المرافق لا من المنكب وحينئذ لا حاجة إلى تأويل إلى بمعنى مع نعم يبقى الكلام في الغاية وذاك شيء آخر فتأمله ، فإني لم أر أحدا ذكره ( قوله : ولو أخرج كان بمفهوم اللقب ، وهو ليس بحجة ) أي عندنا كغيره من المفاهيم على ما بين في محله خلافا لبعض الشافعية

وأقول : كيف يمكن إخراج غيره مع تنصيص الحكم على الكل حتى يقال إنه بمفهوم اللقب ويدفع بأنه ليس بحجة ، فإن قولك اضرب القوم مع زيد لا يفهم منه أن غير زيد ليس مأمورا بضربه حتى عند من يقول بحجية مفهوم اللقب نعم لو قيل اضرب زيدا واقتصر المتكلم على ذلك جرى فيه الخلاف ; لأنه تعليق الحكم بجامد كفي الغنم زكاة كما في التحريم فافهم ( قوله : وما في غاية البيان إلى آخر هذا البحث ) قال في النهر بعد نقله لذلك أقول : معنى الاحتياط هنا هو الخروج عن العهدة بيقين وما نسبه إلى الهداية سهوا ، وإنما الذي فيها رد لقول زفر الغاية لا تدخل في المغيا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها يعني فهي داخلة والجار متعلق باغسلوا على كل حال والنقض بمسألة اليمين أجاب عنه في فتح القدير بأن الكلام هنا في اللغة والأيمان مبينة على العرف نعم يرد النقض بمثل قرأت القرآن إلى سورة كذا والهداية إلى كتاب كذا ، فإن الغاية فيهما لا تدخل تحت المغيا مع تناول الصدر لها وقوله والأولى إلخ مما لا حاجة إليه إذ الفروض العملية لا تحتاج في إثباتها إلى القاطع فيحتاج إلى الإجماع على أن قول المجتهد لا أعلم مخالفا لا يكون حكاية للإجماع الذي يكون غيره محجوجا به فقد قال الإمام اللامشي في أصوله لا خلاف أن جميع المجتهدين لو أجمعوا على حكم واحد ووجد الرضا من الكل نصا كان ذلك إجماعا فأما إذا نص البعض وسكت الباقون لا عن خوف بعد اشتهار القول فعامة أهل السنة أن ذلك يكون إجماعا وقال الشافعي رحمه الله تعالى لا أقول : إنه إجماع ولكن أقول : لا أعلم فيه خلافا وقال أبو هاشم من المعتزلة لا يكون إجماعا ا هـ [ ص: 14 ]

( قوله : ولو ببلل باق بعد غسل ) قال الرملي : أقول : قال ابن كمال باشا في الإصلاح والإيضاح وأما الذي بقي في العضو بعد الغسل فقال الحاكم الشهيد لا يجوز المسح به أيضا وخطأه عامة المشايخ لما ذكره محمد في مسح الخف إذا توضأ ثم مسح على الخف ببلة بقيت على كفه بعد الغسل جاز والصحيح ما قاله الحاكم فقد نص الكرخي في جامعه الكبير على الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله مفسرا معللا أنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذارعيه لم يجز إلا بماء جديد ; لأنه قد تطهر به مرة والله تعالى أعلم وقد أخذه ابن الكمال من المجتبى شرح القدوري وفي التتارخانية برمز المحيط ولو في كفه بلل فمسح به رأسه أجزأه قال الحاكم الشهيد : هذا إذا لم يستعمل في عضو من أعضائه بأن غسل بعض أعضائه بأن يدخل يده في إناء حتى ابتلت أما إذا استعمله في عضو من أعضائه وبقي في كفه بلل لا يجوز وأكثرهم على أن ما قاله الحاكم الشهيد خطأ والصحيح أن محمدا أراد بذلك ما إذا غسل عضوا من أعضائه وبقي البلل في كفه يعني لا أنه أراد أن يدخل يده في إناء حتى تبتل كما زعمه الحاكم

( قوله : والآلة لم تقصد للإيصال ) الأولى التعبير بالوصول ليصح التفريع عليه بما بعده ( قوله : لم يجز مطلقا ) أي سواء كان ذلك العضو مغسولا أم ممسوحا ( قوله : وهو مردود بأوجه إلى قوله الرابع ) أقول : في هذه الوجوه الثلاثة نظر :

أما الأول : فلأن عدم العرف لا يفيد مسح الكل لما سينقله عن التحرير أن الإلصاق المجمع عليه للباء ممكن فيثبت التبعيض اتفاقيا لعدم استيعاب الملصق [ ص: 15 ] ; ولأن قوله أو كان أي العرف أفاد بعضا مطلقا إلخ يقال عليه إن ذلك البعض المطلق الذي هو الواجب لا يدري مقداره وحينئذ لم ينتف الإجمال وحصوله في ضمن الاستيعاب لا ينفيه أيضا بل ينفي الحاجة إلى بيانه وإن أريد بإفادة البعض المطلق أنه يسقط الفرض بأي جزء كان ، وإن قل كما هو مذهب الشافعي لم يبق في الآية دليل لنا أصلا .

والجواب عنه حينئذ كما قال بعض شراح الهداية لم يرد ذلك بل أريد بعض مقدر ، وإلا كان حاصلا بغسل الوجه فلا يحتاج إلى إيجاب على حدة ، فإن المفروض في سائر الأعضاء مقدر ، فكذا في هذه الوظيفة

وأما الثاني ; فلأن الرواية التي ذكرها في الهداية بعلى دون الباء فلا يعود النزاع على ذلك ، وإنما يعود على رواية الباء ، وأما الثالث ; فلأن قوله لو لم يكن كذلك لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة في حيز المنع لما تقدم من حصول الواجب في ضمن الاستيعاب فتنتفي الحاجة به وكذا يقال في قوله ; ولأن كان كذلك إلخ فافهم ( قوله : وعزاها في النهاية إلى محمد رحمه الله ) وعليه فما في معراج الدراية من أنها ظاهر المذهب محمول على أنه ظاهر الرواية عن محمد لا عن الإمام رحمه الله ( قوله : ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة ) أي ولا ممدودة والمراد بغير موضوعة أنه لم يضعها بتمامها على الرأس بأن مسح بأطرافها ; لأن ذلك لا يبلغ مقدار ثلاث أصابع ولا مقدار الربع فلذا قال وينبغي أن يكون اتفاقا وقوله ولو مدها إلخ أي هذه الأصابع المنصوبة الغير الموضوعة بأن مسح بأطرافها ومدها مقدار ثلاث أصابع أو مقدار الربع لم يجز بقي ما إذا وضع [ ص: 16 ] ثلاث أصابع ومدها حتى بلغ القدر المفروض قال في الفتح لم أر فيه إلا الجواز ا هـ .

واعترضه في النهر بقول البدائع ولو مدها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز إلى آخر ما نقله المؤلف هنا

وأقول : لا يخفى عليك أن الضمير في مدها للأصابع المنصوبة الغير الموضوعة كما علمت وكلام الفتح في الموضوعة فافهم ( قوله : بل الصحيح أن لا خلاف ) ; لأن الذي فيه الخلاف بينهما ما إذا نوى المسح ، وأما إذا لم ينو فلا خلاف فيه وقد علم أن الأولى أيضا الصحيح فيها أن قول محمد كقول أبي يوسف فقد حصل الاتفاق بينهما في المسألتين بناء على هذا التصحيح فذكر الخلاف بينهما على غير الصحيح ( قوله : وإن جاز فيه وجه آخر ) أقول : ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يكون معطوفا على وجهه فيكون المعنى وغسل لحيته فيوافق الرواية المرجوع إليها ، وإن كان المتبادر خلافه فيندفع العجب عنه ويحتمل أن يصححه هنا ، وإن اختار في الكافي غيره كما وقع لقاضي خان فإنه صحح في فتاواه مسح كلها وصحح في شرحه للجامع الصغير مسح ما يلاقي البشرة فتأمل والله تعالى أعلم بالصواب ا هـ .

( قوله : وهذا كله في غير المسترسل ) المراد باسترسل ما خرج عن دائرة الوجه ، وهو غير الملاقي ; لأن الملاقي ما كان غير خارج عن دائرة الوجه كذا في شرح الدرر والغرر للعلامة الشيخ إسماعيل النابلسي ( قوله : والعارض ما بينهما وبين العذار إلخ ) قال الرملي أي فيسمى الشعر النابت على الخدين إلى العظم الناتئ بقرب الأذن عارضا والنابت على العظم الناتئ بقرب الأذن عذارا .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث