الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


وأما استدلالهم بقوله تعالى : إنا جعلناه قرآنا عربيا ( الزخرف : 3 ) ، فما أفسده من استدلال ! فإن ( جعل ) إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد ، كقوله تعالى : وجعل الظلمات والنور ( الأنعام : 1 ) ، وقوله تعالى : وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ( الأنبياء : 30 - 31 ) . وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق ، قال تعالى : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ( النحل : 91 ) . وقال تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ( البقرة : 224 ) . وقال تعالى : الذين جعلوا القرآن عضين ( الحجر : 91 ) وقال تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ( الإسراء : 29 ) وقال تعالى : ولا تجعل مع الله إلها آخر ( الإسراء : 39 ) . وقال تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ( الزخرف : 19 ) . ونظائره كثيرة . فكذا قوله تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا ( الزخرف : 3 ) .

وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى : نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ( القصص : 30 ) . على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة فسمعه موسى منها ! وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها ، فإن الله تعالى قال : فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن ، والنداء هو الكلام من بعد ، فسمع موسى عليه السلام [ ص: 183 ] النداء من حافة الوادي ، ثم قال : في البقعة المباركة من الشجرة . أي : إن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة ، كما يقول سمعت كلام زيد من البيت ، يكون من البيت لابتداء الغاية ، لا أن البيت هو المتكلم ! ولو كان الكلام مخلوقا في الشجرة ، لكانت الشجرة هي القائلة : ياموسى إني أنا الله رب العالمين . وهل قال : إني أنا الله رب العالمين ، غير رب العالمين ؟ ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله لكان قول فرعون : أنا ربكم الأعلى ( النازعات : 24 ) صدقا ، إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله ! وقد فرقوا بين الكلامين على أصولهم الفاسدة : أن ذاك كلام خلقه الله في الشجرة ، وهذا كلام خلقه فرعون ! ! فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقا غير الله . وسيأتي الكلام على مسألة أفعال العباد ، إن شاء الله تعالى .

فإن قيل : فقد قال تعالى : إنه لقول رسول كريم ( الحاقة : 40 ، والتكوير : 19 ) . وهذا يدل على أن الرسول أحدثه ، إما جبرائيل أو محمد .

قيل : ذكر الرسول معرف أنه مبلغ عن مرسله ، لأنه لم يقل أنه قول ملك أو نبي ، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به ، لا أنه أنشأه من جهة نفسه . وأيضا : فالرسول في إحدى الآيتين جبريل ، وفي الأخرى محمد ، فإضافته إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ ، إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه الآخر . [ ص: 184 ] وأيضا : فقوله رسول أمين ، دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه ، بل هو أمين على ما أرسل به ، يبلغه عن مرسله . وأيضا : فإن الله قد كفر من جعله قول البشر ، ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر ، فمن جعله قول محمد ، بمعنى أنه أنشأه - فقد كفر . ولا فرق بين أن يقول : إنه قول بشر ، أو جني ، أو ملك ، والكلام كلام من قاله مبتدئا ، لا من قاله مبلغا . ومن سمع قائلا يقول :


قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

- قال : هذا شعر امرئ القيس ، ومن سمعه يقول : إنما الأعمال بالنيات [ ص: 185 ] وإنما لكل امرئ ما نوى : قال : هذا كلام الرسول ، وإن سمعه يقول : الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين قال : هذا كلام الله ، إن كان عنده خبر ذلك ، وإلا قال : لا أدري كلام من هذا ؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذبه . ولهذا من سمع من غيره نظما أو نثرا ، يقول له : هذا كلام من ؟ هذا كلامك أو كلام غيرك ؟

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث