الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

أقسام المحبوب

والمحبوب قسمان : محبوب لنفسه ، ومحبوب لغيره ، والمحبوب لغيره ، لا بد أن ينتهي إلى المحبوب لنفسه ، دفعا للتسلسل المحال ، وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره ، وليس شيء يحب لذاته إلا الله وحده ، وكل ما سواه مما يحب فإنما محبته تبع لمحبة الرب تبارك وتعالى ، كمحبة ملائكته وأنبيائه وأوليائه ، فإنها تبع لمحبته سبحانه ، وهي من لوازم محبته ، [ ص: 194 ] فإن محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه ، وهذا موضع يجب الاعتناء به ، فإنه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره ، والتي لا تنفع بل قد تضر .

فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كان كماله من لوازم ذاته ، وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته ، وما سواه فإنما يبغض ويكره لمنافاته محابه ومضادته لها ، وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها ، فما كان أشد منافاة لمحابه ، كان أشد كراهة من الأعيان والأوصاف والأفعال والإرادات وغيرها ، فهذا ميزان عادل توزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته ، فإذا رأينا شخصا يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه ، علمنا أن فيه من معاداته بحسب ذلك ، وإذا رأينا الشخص يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه ، وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثره عنده ، وكلما كان أبغض إليه كان أبغض إليه وأبعد منه ، علمنا أن فيه من موالاة الرب بحسب ذلك .

فتمسك بهذا الأصل في نفسك وفي غيرك ، فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه ، وليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تمزق ولا رياضة .

والمحبوب لغيره قسمان أيضا :

أحدهما : ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله .

والثاني : ما يتألم به ولكن يحتمله لإفضائه إلى المحبوب ، كشرب الدواء الكريه ، قال تعالى : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ سورة البقرة : 216 ] .

فأخبر سبحانه أن القتال مكروه لهم مع أنه خير لهم لإفضائه إلى أعظم محبوب وأنفعه ، والنفوس تحت الراحة والدعة والرفاهية ، ذلك شر لها لإفضائه إلى فوات المحبوب ، فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجل فيؤثرها ، وألم المكروه العاجل فيرغب عنه ، فإن ذلك قد يكون شرا له ، بل قد يجلب عليه غاية الألم ويفوته أعظم اللذة ، بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروهة لما يعقبهم من اللذة بعدها ، وإن كانت منقطعة .

فالأمور أربعة : مكروه يوصل إلى مكروه ، ومكروه يوصل إلى محبوب ، ومحبوب يوصل إلى محبوب ، ومحبوب يوصل إلى مكروه ، فالمحبوب الموصل إلى المحبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين ، والمكروه الموصل إلى مكروه ، قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين .

بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان - وهما معترك الابتلاء والامتحان - فالنفس تؤثر أقربهما جوارا منها ، وهو العاجل ، والعقل والإيمان يؤثر أنفعهما وأبقاهما ، والقلب بين الداعيين ، وهو إلى هذا مرة ، وإلى هذا مرة ، وهاهنا محل الابتلاء شرعا وقدرا ، فداعي العقل [ ص: 195 ] والإيمان ينادي كل وقت : حي على الفلاح ، عند الصباح يحمد القوم السرى ، وفي الممات يحمد العبد التقى ، فإن اشتد ظلام ليل المحبة ، وتحكم سلطان الشهوة والإرادة ، يقول : يا نفس اصبري فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث