الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ومما كان من الأحداث أيام ملوك الطوائف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 333 ] ومما كان من الأحداث أيام ملوك الطوائف

إرسال الله تعالى الرسل الثلاثة إلى مدينة أنطاكية ، وكانوا من الحواريين أصحاب المسيح ، وأرسل أولا اثنين ، وقد اختلف في أسمائهما ، فقدما أنطاكية فرأيا عندها شيخا يرعى غنما ، وهو حبيب النجار ، فسلما عليه ، فقال : من أنتما ؟ قالا : رسولا عيسى ندعوكم إلى عبادة الله تعالى . قال : معكما آية ؟ قالا : نعم ، نحن نشفي المرضى ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله . قال حبيب إن لي ابنا مريضا منذ سنين ، وأتى بهما منزله ، فمسحا ابنه ، فقام في الوقت صحيحا ، ففشا الخبر في المدينة ، وشفى الله على أيديهما كثيرا من المرضى ، وكان لهم ملك اسمه أنطيخس يعبد الأصنام ، فبلغ إليه خبرهما ، فدعاهما ، فقال : من أنتما ؟ قالا : رسل عيسى ندعوك إلى الله تعالى . قال : فما آيتكما ؟ قالا : نبرئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن الله . فقال : قوما حتى ننظر في أمركما ، فقاما ، فضربهما العامة .

وقيل : إنهما قدما المدينة فبقيا مدة لا يصلان إلى الملك ، فخرج الملك يوما ، فكبرا وذكرا الله ، فغضب وحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، فلما كذبا وضربا بعث المسيح شمعون رأس الحواريين لينصرهما ، فدخل البلد متنكرا وعاشر حاشية الملك ، فرفعوا خبره إلى الملك ، فأحضره ورضي عشرته وأنس به وأكرمه ، فقال له يوما : أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى دينهما فهل كلمتهما وسمعت قولهما ؟ فقال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك . قال : فإن رأى الملك أن يحضرهما حتى نسمع كلامهما ، فدعاهما الملك ، فقال لهما شمعون : من أرسلكما ؟ قالا : الله الذي خلق كل شيء ولا شريك له . قال : فوصفاه وأوجزا . قالا : إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . قال شمعون : فما آيتكما ؟ قالا : ما تتمناه .

[ ص: 334 ] فأمر الملك ، فجيء بغلام مطموس العينين موضعهما كاللحمة ، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر ، وأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما . فعجب الملك لذلك فقال : إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما . قالا : إن إلهنا قادر على كل شيء . فقال الملك : إن هاهنا ميتا منذ سبعة أيام فلم ندفنه حتى يرجع أبوه وهو غائب ، فأحضر الميت وقد تغيرت ريحه ، فدعوا الله تعالى علانية وشمعون يدعو سرا ، فقام الميت فقال لقومه : إني مت مشركا وأدخلت في أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه . ثم قال : فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة . فقال الملك : ومن هم ؟ فقال : هذا ، وأومأ إلى شمعون ، وهذان ، وأشار إليهما ، فعجب الملك ، فحينئذ دعا شمعون الملك إلى دينه ، فآمن قومه ، وكان الملك فيمن آمن وكفر آخرون . وقيل : بل كفر الملك وأجمع هو وقومه على قتل الرسل ، فبلغ ذلك حبيبا النجار ، وهو على باب المدينة ، فجاء يسعى إليهم فيذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الله وطاعة المرسلين ، فذلك قوله تعالى : ( إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث ) ، وهو شمعون ، فأضاف الله تعالى الإرسال إلى نفسه ، وإنما أرسلهم المسيح لأنه أرسلهم بإذن الله تعالى .

فلما كذبهم أهل المدينة ، حبس الله عنهم المطر ، فقال أهلها للرسل : ( إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ) ، فلما حضر حبيب ، وكان مؤمنا يكتم إيمانه ، وكان يجمع كسبه كل يوم وينفق على عياله نصفه ويتصدق بنصفه ، فقال : ( ياقوم اتبعوا المرسلين ) . فقال قومه : وأنت مخالف لربنا ومؤمن بإله هؤلاء ؟ فقال : ( وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ) ، فلما قال ذلك قتلوه ، فأوجب الله له الجنة ، فذلك قوله تعالى : ( قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) [ ص: 335 ] وأرسل الله عليهم صيحة فماتوا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث