الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ذم الله تعالى العرب على ما كانت تفعله

المسألة الرابعة : لما ذم الله تعالى العرب على ما كانت تفعله من ذلك كان ذلك تحذيرا للأمة عن الوقوع في مثل ذلك من الباطل ، ولزمهم الانقياد إلى ما بين الله تعالى من التحليل والتحريم ، دون التعلق بما كان يلقيه إليهم الشيطان من الأباطيل .

قال محمد بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قال مالك بن أنس : الحبس الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاقها التي في كتاب الله تعالى : { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } .

قال الشافعي : هذا الذي كلم به مالك بن أنس أبا يوسف عند هارون .

وهذه إشارة إلى أن أبا يوسف خالف مالكا في الأحباس ، ورأى رأي شيخه أبي حنيفة في أن الحبس باطل .

وروى عبد الملك بن عبد العزيز قال : حضرت مالكا وقد قال له رجل من أهل العراق عن صدقة الحبس ، فقال : إذا حيزت مضت . قال العراقي : إن شريحا قال : لا حبس عن كتاب الله . فضحك مالك ، وكان قليل الضحك ، وقال : يرحم الله شريحا لو درى ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا . [ ص: 221 ]

وقد روي أن مالكا قال له أبو يوسف بحضرة الرشيد : إن الحبس لا يجوز . فقال له مالك : فهذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس أصحابه ؟ فأما { حظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت عنه أنه قال : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة } .

وأما أصحابه : فروي عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ، وعائشة ، وزيد بن ثابت ، ورافع بن خديج ، وخالد بن الوليد ، وجابر بن عبد الله ، وابن عمر ، وأم سلمة ، وحفصة ، وقد روى حديث عمر جماعة ، قالوا : { إن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ; إني أصبت مالا بخيبر لم أصب قط مالا أنفس منه يعني بسمع ، وإني أريد أن أتصدق به . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : احبس الأصل وسبل الثمرات } . وأشار به إلى الصدقة الدائمة فإنه لو تصدق به عمر صدقة فبيع لانقطع أجره في الحبس ; وكتب عمر في شرطه : " هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا تورث ولا توهب ، للفقراء ، والقربى ، والرقاب ، وفي سبيل الله ، والضيف ، وابن السبيل ، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف غير متأثل مالا " . وجاء بألفاظ مختلفة هذه أمهاتها .

وتعلق أبو حنيفة بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من تسييب البهائم وحمايتها وحبس أنفسها عنها . وهذا لا حجة فيه ; لأن الله سبحانه عاب عليهم أن يتصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم ، أو تكليف فرض عليهم .

فإن قيل : إنما عاب عليهم أن نقلوا الملك إلى غير مالك ، والملك قد عينه الله تعالى في الأموال ، وجعل الأيدي تتبادل فيه بوجوه شرعية ، أو تبطل في الأعيان بمعان قريبة ، كالعتق والهدي ; فأما هذه الطريق فبدعة .

قلنا : بل سنة كما تقدم . [ ص: 222 ]

جواب ثان : وذلك أن الحبس عندنا لا ينقل الملك ; بل يبقى على حكم مالكه ، وإنما يكون الحبس في الغلة والمنفعة على أحد القولين ، وفي القول الثاني ينقل الملك إلى المحبوس عليه وهو مالك .

فإن قيل : إنما كان يصح هذا لو كانوا معينين ، فأما المجهول والمعدوم فلا ينتقل الملك إليه .

قلنا : هذا يبطل بأربعة مسائل : الأولى المسجد . الثانية المقبرة . الثالثة القنطرة ، قالوا يصح هذا ، وهو حبس على معدوم ومجهول [ وهو الرابع ] .

جواب خامس : وذلك أن أبا حنيفة ناقض ; فقال : إذا أوصى بالحبس جاز ، وهذه المناقضات الخمس لا جواب له عنها إلا وينعكس عليهم في مسألتنا ، ولهم آثار لم نرض ذكرها لبطلانها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث