الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا

( الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا )

قال صاحب المقدمات كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم يشهد به ؛ فلذلك صحت شهادة هذه الأمة لنوح عليه السلام ، ولغيره على أممهم بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وصحت شهادة خزيمة . ولم يحضر شراء الفرس ، ومدارك العلم أربعة العقل وأحد الحواس الخمس والنقل المتواتر والاستدلال ؛ فتجوز الشهادة بما علم بأحد هذه الوجوه ، وشهادة خزيمة كانت بالنظر والاستدلال ، ومثله شهادة أبي هريرة أن رجلا قاء خمرا فقال له عمر تشهد أنه شربها قال أشهد أنه قاءها فقال عمر رضي الله عنه ما هذا التعمق فلا وربك ما قاءها حتى شربها ، ومنها شهادة الطبيب بقدم العيب والشهادة بالتواتر كالنسب وولاية القاضي وعزله وضرر الزوجين ، والأصل في الشهادة العلم واليقين لقوله { وما شهدنا إلا بما علمنا } وقوله تعالى { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } وقوله عليه السلام { على مثل هذا فاشهد أي مثل الشمس } فهذا ضابط ما يجوز التحمل في الشهادة به ، وقد يجوز بالظن والسماع قال صاحب القبس ما اتسع أحد في شهادة السماع كاتساع المالكية في مواطن كثيرة الحاضر منها على الخاطر خمسة وعشرون موضعا الأحباس الملك المتقادم ، الولاء ، النسب ، الموت ، الولاية ، العزل ، العدالة ، الجرحة ، ومنع سحنون ذلك فيهما قال علماؤنا ، وذلك إذا لم يدرك زمان المجروح والمعدل فإن أدرك فلا بد من العلم ، الإسلام ، الكفر ، الحمل ، الولادة ، الترشيد السفه ، الصدقة ، الهبة ، البيع ، في حالة المتقادم الرضاع ، النكاح ، الطلاق ، الضرر ، الوصية ، إباق العبد الحرابة ، وزاد بعضهم البنوة ، والأخوة ، وزاد العبدي في الحرية القسامة فهذه مواطن رأى الأصحاب أنها مواطن ضرورة فيجوز تحمل الشهادة بالظن الغالب قال صاحب الجواهر ما لا [ ص: 56 ] يثبت بالحس بل بقرائن الأحوال كالإعسار يدرك بالخبرة الباطنة بقرائن كالصبر على الجوع والضر فيكفي فيه الظن القريب من اليقين ، وأما اختلاف العلماء في شهادة الأعمى ، والشهادة على الخط ، ونحو ذلك فليس خلافا في الشهادة بالظن بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط فالمالكية يقولون الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال فيشهد بها ، ويحصل للبصير القطع ببعض الخطوط فيشهد بها فما شهد إلا بالعلم ، والشافعية يقولون لا يحصل العلم في ذلك لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط فهذا هو مدرك التنازع بينهم .

( تنبيه ) : اعلم أن قول العلماء لا تجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره فإن ظاهره يقتضي أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به ، وليس كذلك بل يجوز له الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علما فقط فلو شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف ، وكذلك الثمن في البيع مع احتمال دفعه ، ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورثه ، ويشهد بالإجارة ، ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب .

والحاصل في هذه الصور كلها إنما هو الظن الضعيف ، ولا يكاد يوجد ما يبقى فيه العلم إلا القليل من الصور من ذلك النسب والولاء فإنه لا يقبل النقل فيبقى العلم على حاله ، ومن ذلك الشهادة بالإقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي ، وذلك لا يرتفع ، ومن ذلك الوقف إذا حكم به حاكم أما إذا لم يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما يحصل فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه فتأمل هذه المواطن فأكثرها إنما فيها الظن فقط ، وإنما العلم في أصل المدرك لا في دوامه فقد تلخص [ ص: 57 ] الفرق بين ما هو مدرك للتحمل ، وما ليس بمدرك مع مسبباته ، والتنبيه على عدده ، وأنه لا يقتصر فيه على الحواس فقط كما يعتقده كثير من الفقهاء بل لو أفادت القرائن القطع جازت الشهادة بها في جميع الصور .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

قال ( الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون إلى قوله فهذا مدرك التنازع ) :

قلت أكثر ما قال نقل وما قاله فيه صحيح [ ص: 56 ] قال ( تنبيهه إلى آخر الفرق ) قلت ما قاله من أن الشاهد في أكثر الشهادات لا يشهد إلا بالظن الضعيف غير صحيح وإنما يشهد بأن زيدا ورث الموضع الفلاني مثلا أو اشتراه جازما بذلك لا ظانا واحتمال كونه باع ذلك الموضع لا تتعرض له شهادة الشاهد بالجزم لا في نفيه ولا في إثباته ولكن تتعرض له بنفي العلم ببيعه أو خروجه عن ملكه على الجملة فما توهم أنه مضمن الشهادة ليس كما توهم فهذا التنبيه غير صحيح والله تعالى أعلم .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق السادس والعشرون والمائتان بين قاعدة ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل وبين قاعدة ما لا يصلح أن يكون مستندا )

وهو أن ما يصلح أن يكون مستندا في التحمل أحد أمرين :

( الأمر الأول ) العلم واليقين قال صاحب المقدمات : كل من علم شيئا بوجه من الوجوه الموجبة للعلم يشهد به قال : ومدارك العلم أربعة العقل وإحدى حواس الخمس والنقل المتواتر والاستدلال فتجوز الشهادة بما علم بأحد هذه الوجوه قال وشهادة هذه الأمة لنوح عليه السلام ، ولغيره على أممهم بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أي فهي من قبيل الشهادة بالنقل المتواتر كشهادة النسب وولاية القاضي وعزله وضرر الزوجين قال وصحت شهادة خزيمة ، ولم يحضر شراء الفرس أي شراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرس من خصمه المنكر ذلك ، لأنها كانت بالنظر والاستدلال كشهادة أبي هريرة أن رجلا قاء خمرا فقال له عمر تشهد أنه شربها . قال : أشهد أنه قاءها فقال عمر رضي الله عنه ما هذا التعمق ؟ فلا وربك ما قاءها حتى شربها . ، وكشهادة الطبيب بعدم العيب .

( الأمر الثاني ) الظن القريب من اليقين قال صاحب الجواهر ما لا يثبت بالحس بل بقرائن الأحوال كالإعسار يدرك بالخبرة الباطنة بقرائن كالصبر على الجوع [ ص: 100 ] والضرر فيكفي فيه الظن القريب من اليقين .

وأما اختلاف العلماء في شهادة الأعمى وشهادة البصير ، على الخط ، ونحو ذلك ، فليس خلافا في الشهادة بالظن ، بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط فالمالكية يقولون : الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال فيشهد بها ، ويحصل للبصير القطع ببعض الخطوط فيشهد بها فما شهد إلا بالعلم ، والشافعية يقولون لا يحصل العلم في ذلك لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط فهذا هو مدرك التنازع بينهم قال الأصل : والأصل في الشهادة العلم واليقين ، لقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف عليهم السلام { وما شهدنا إلا بما علمنا } وقوله تعالى { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } وقوله عليه السلام على مثل هذا فاشهد أي مثل الشمس فهذا ضابط ما يجوز التحمل في الشهادة به ، وقد يجوز بالظن والسماع قال صاحب القبس : ما اتسع أحد في شهادة السماع كاتساع المالكية في مواطن كثيرة ، الحاضر منها على الخاطر خمسة وعشرون موضعا الأحباس الملك المتقادم الولاء النسب الموت الولاية العزل العدالة الجرحة ، ومنع سحنون ذلك فيهما قال علماؤنا : وذلك إذا لم يدرك زمان المجروح والعدل فإن أدرك فلا بد من العلم ، الإسلام ، الكفر ، الحمل ، الولادة ، الترشيد ، السفه ، الصدقة ، الهبة ، البيع في حاله المتقادم ، الرضاع ، النكاح ، الطلاق ، الضرر ، الوصية ، إباق العبد ، الحرابة ، وزاد بعضهم البنوة ، والأخوة ، وزاد العبدي في الحرية القسامة فهذه مواطن أرى الأصحاب أنها مواطن ضرورة فيجوز تحمل الشهادة بالظن الغالب انتهى بلفظه قال التاودي على العاصمية وترجع شهادة السماع كما في المتيطي للشهادة التي توجب الحق مع اليمين . ابن عرفة : هي لقب لما يصرح فيه الشاهد باستناد شهادته لسماع من غير معين فتخرج شهادة البت والنقل أي لأن المنقول عنه في شهادة النقل معين قال ابن فرحون عن ابن رشد وشهادة السماع لها ثلاث مراتب المرتبة الأولى تفيد العلم ، وهي المعبر عنها بالتواتر كالسماع بأن مكة موجودة فهذه بمنزلة الشهادة بالمروية وغيرها مما يفيد العلم .

( المرتبة الثانية ) شهادة الاستفاضة ، وهي تفيد ظنا ، يقرب من القطع ، ويرتفع عن السماع ، مثل الشهادة بأن نافعا مولى ابن عمر ، وأن ابن عبد الرحمن هو ابن القاسم : والهلال إذا رآه الجم الغفير من أهل البلد واستفاضة العدالة أو الجرح فيستند لذلك ، ولا يسأل عن عدالة المشهودين

( المرتبة الثالثة ) شهادة السماع ، وهي التي تكلم عليها الفقهاء ، وهي المرادة هنا ، والكلام عليها في صفتها ، وفي محالها ، وفي شروطها فأما صفتها فقال ابن عرفة والباجي شرط شهادة السماع أن يقولوا سمعنا سماعا فاشيا من أهل العدل وغيرهم ، وإلا لم تصح قاله ابن حبيب عن الأخوين ، وقاله محمد قالا : ولا يسموا من سمعوا منه فإن سموا خرجت من شهادة السماع إلى الشهادة على الشهادة ، وقاله ابن القاسم وأصبغ ، وفي اشتراط العدالة في المسموع ثالثها إلا في الرضاع ا هـ وسيقول الناظم [ ص: 101 ]

وشرطها استفاضة حيث لا يحضر من عنه السماع نقلا     مع السلامة من ارتياب
يفضي إلى تغليط أو إكذاب     ويكتفى فيها بعدلين على
ما تابع الناس عليه العملا



( وأما محالها ) وما تقبل فيه ففيه طرق

( إحداها ) لعبد الوهاب أنها مختصة بما لا يتغير حاله ، ولا ينتقل الملك فيه كالموت والنسب والوقف قال وفي قبولها في النكاح قولان

( الثانية ) لابن رشد أن فيها أربعة أقوال تصح في كل شيء ألا تصح في شيء . الثالث تجوز في كل شيء إلا في أربعة أشياء : النسب ، والقضاء ، والنكاح ، والموت ؛ إذ من شأنها أن تستفيض فيشهد فيها على القطع . الرابع عكسه قال أبو محمد صالح ويجمعها قولك فلان ابن فلان القاضي نكح فمات

( الطريقة الثالثة ) لابن شاس وابن الحاجب وغير واحد أنها تجوز في مسائل معدودة وقع النص عليها ، وإياها سلك الناظم فقال :

وأعملت شهادة السماع     في الحمل والنكاح والرضاع
والحيض والميراث والميلاد     وحال إسلام أو ارتداد
والجرح والتعديل والولاء     والرشد والتسفيه والإيصاء
وفي تملك لملك بيد     يقام فيه بعد طول المدد
وحبس من حاز من السنين     عليه ما يناهز العشرين
وعزل حاكم وفي تقديمه     وضرر الزوجين من تتميمه



وجملة ما ذكره تسعة عشر وهذا فيما عنده ، وحضره الآن ، وعدها ابن العربي إحدى وعشرين فقال :

أيا سائلي عما ينفذ حكمه     ويثبت سمعا دون علم بأصله
ففي العزل والتجريح والكفر بعده     وفي سفه أو ضد ذلك كله
وفي البيع والأحباس والصدقات والرضاع     وخلع والنكاح وحله



وزاد ولده ستة فقال :

وفي قسمة أو نسبة أو ولاية     وموت وحمل والمقر بأهله
ومنها الهبات الوصية فاعلمن     وملك قديم قد يظن بمثله
ومنها ولادات ومنها حرابة     ومنها الإباق فليضم بشكله
فدونكما عشرين من بعد سبعة     تدل على حفظ الفقيه ونبله
أبي نظم العشرين من بعد واحد     وأتبعتها ستا تماما لفعله

[ ص: 102 ]

وزاد ابن عبد السلام خمسة ، ونظمها بعضهم فقال :

وقد زيد فيها الفقر والأسر والملا     ولوث وعتق فاظفرن بنقله
فصارت لدى عد ثلاثين أتبعت     بثنتين فاطلب نصها في محله



ونظمها أيضا العبدوسي وذيله ابن غازي بما زاده عليه إلى أن قال في آخره :

لولا التداخل عند عد الزائد     لبلغت خمسين دون واحد

ا هـ كلام التاودي مع بعض إصلاح .

وحذف شرحه لأبيات العاصمية فانظره ، وأما ما لا يصلح أن يكون مستندا فهو ما عدا الأمرين المذكورين ، ومنه الظن الضعيف ، وقول الأصل يجوز للشاهد الأداء بما عنده من الظن الضعيف في كثير من الصور فلو شهد بقبض الدين جاز أن يكون الذي عليه الدين قد دفعه فتجوز الشهادة عليه بالاستصحاب الذي لا يفيد إلا الظن الضعيف ، وكذلك الثمن في البيع مع احتمال دفعه ، ويشهد بالملك الموروث لوارثه مع جواز بيعه بعد أن ورثه ، ويشهد بالإجازة ولزوم الأجرة مع جواز الإقالة بعد ذلك بناء على الاستصحاب فالحاصل في هذه الصور كلها إنما هو الظن الضعيف بل لا يكاد يوجد ما يبقى فيه العلم إلا القليل من الصور ، ومن ذلك النسب والولاء فإنه لا يقبل النقل فيبقى العلم على حاله ، ومن ذلك الشهادة بالإقرار فإنه إخبار عن وقوع النطق في الزمن الماضي ، وذلك لا يرتفع ، ومن ذلك الوقف إذا حكم به حاكم أما إذا لم يحكم به حاكم فإن الشهادة إنما يحصل فيها الظن فقط إذا شهد بأن هذه الدار وقف لاحتمال أن يكون حاكم حنفي حكم بنقضه فتأمل هذه المواطن فأكثرها إنما فيها الظن فقط ، وإنما العلم في أصل المدرك لا في دوامه فقول العلماء لا تجوز الشهادة إلا بالعلم ليس على ظاهره أنه لا يجوز أن يؤدي إلا ما هو قاطع به بل المراد بذلك أن يكون أصل المدرك علما فقط ا هـ بتصرف .

قال المحقق أبو القاسم بن الشاط ما قاله من أن الشاهد في أكثر الشهادات لا يشهد إلا بالظن الضعيف غير صحيح ، وإنما يشهد بأن زيدا ورث الموضع الفلاني مثلا أو اشتراه جازما بذلك لا ظانا ، واحتمال كونه باع ذلك الموضع لا تتعرض له شهادة الشاهد بالجزم لا في نفيه ، ولا في إثباته ، ولكن تتعرض له بنفي العلم ببيعه أو خروجه عن ملكه على الجملة فما توهم أنه مضمن الشهادة ليس كما توهم ، والله تعالى أعلم ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث