الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 86 ] 141

ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة

ذكر خروج الراوندية

وفي هذه السنة كان خروج الراوندية على المنصور ، وهم قوم من أهل خراسان على رأي أبي مسلم صاحب الدعوة ، يقولون بتناسخ الأرواح ، يزعمون أن روح آدم في عثمان بن نهيك ، وأن ربهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو المنصور ، وأن جبرائيل هو الهيثم بن معاوية .

فلما ظهروا أتوا قصر المنصور فقالوا : هذا قصر ربنا . فأخذ المنصور رؤساءهم ، فحبس منهم مائتين ، فغضب أصحابهم ، وأخذوا نعشا ، وحملوا السرير ، وليس في النعش أحد ، ومروا به حتى صاروا على باب السجن فرموا بالنعش ، وحملوا على الناس ودخلوا السجن وأخرجوا أصحابهم .

وقصدوا نحو المنصور ، وهم يومئذ ستمائة رجل ، فتنادى الناس ، وغلقت أبواب المدينة فلم يدخل أحد ، فخرج المنصور من القصر ماشيا ، ولم يكن في القصر دابة ، فجعل بعد ذلك [ اليوم ] يرتبط دابة معه في القصر .

فلما خرج المنصور أتي بدابة فركبها وهو يريدهم ، ( وتكاثروا عليه حتى كادوا يقتلونه ) ، وجاء معن بن زائدة ( الشيباني ، وكان مستترا من المنصور بقتاله مع ابن هبيرة ، كما ذكرناه ، والمنصور شديد الطلب له وقد بذل فيه مالا كثيرا ، فلما كان هذا اليوم حضر عند المنصور متلثما ، وترجل وقاتل قتالا شديدا ، وأبلى بلاء حسنا ، وكان المنصور راكبا على بغلة ولجامها بيد الربيع حاجبه .

فأتى معن وقال : تنح فأنا أحق بهذا اللجام منك في هذا الوقت وأعظم غناء . فقال المنصور : صدق فادفعه إليه . فلم يزل يقاتل حتى تكشفت الحال وظفر بالراوندية . فقال له المنصور : من أنت ؟ قال : طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة . فقال : آمنك الله على نفسك ومالك وأهلك ، مثلك يصطنع ) .

[ ص: 87 ] وجاء أبو نصر مالك بن الهيثم فوقف على باب المنصور وقال : أنا اليوم بواب . ونودي في أهل السوق فرموهم وقاتلوهم ، وفتح باب المدينة فدخل الناس ، فجاء خازم بن خزيمة فحمل عليهم حتى ألجأهم إلى الحائط ، ثم حملوا عليه فكشفوه مرتين .

فقال خازم للهيثم بن شعبة : إذا كروا علينا فاستبقهم إلى الحائط ، فإذا رجعوا فاقتلهم . فحملوا على خازم ، فاطرد لهم وصار الهيثم من ورائهم فقتلوا جميعا .

وجاءهم يومئذ عثمان بن نهيك فكلمهم ، فرموه بسهم عند رجوعه فوقع بين كتفيه ، فمرض أياما ومات منها ، فصلى عليه المنصور ، وجعل على حرسه بعده عيسى بن نهيك ، فكان على الحرس حتى مات ، فجعل على الحرس أبو العباس الطوسي ، وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية [ بالكوفة ] .

فلما صلى المنصور الظهر دعا بالعشاء ، وأحضر معنا ورفع منزلته ، وقال لعمه عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس : يا أبا العباس ، أسمعت بأشد رجل ؟ قال : نعم . قال : لو رأيت اليوم معنا لعلمت أنه منهم .

فقال معن : والله يا أمير المؤمنين ، لقد أتيتك وإني لوجل القلب ، فلما رأيت ما عندك من الاستهانة بهم ، وشدة الإقدام عليهم رأيت ما لم أره من خلق في حرب ، فشد ذلك من قلبي وحملني على ما رأيت مني .

وقيل : كان معن متخفيا من المنصور لما كان منه من قتاله مع ابن هبيرة ، كما ذكرناه ، وكان اختفاؤه عند أبي الخصيب حاجب المنصور ، وكان على أن يطلب [ له ] الأمان ، فلما خرجت الراوندية جاء معن فوقف بالباب ، فسأل المنصور أبا الخصيب : من بالباب ؟ فقال : معن بن زائدة .

فقال المنصور : رجل من العرب ، شديد النفس ، عالم بالحرب ، كريم الحسب ، أدخله ، فلما دخل قال : إيه يا معن ! ما الرأي ؟ قال : الرأي أن تنادي في الناس فتأمر لهم بالأموال . فقال : وأين الناس والأموال ؟ ومن تقدم على أن يعرض نفسه لهؤلاء العلوج ! لم تصنع شيئا يا معن ! الرأي أن أخرج فأقف للناس ، فإذا رأوني قاتلوا وتراجعوا إلي ، وإن أقمت تهاونوا وتخاذلوا .

فأخذ معن بيده وقال : لا أمير المؤمنين إذا ، والله تقتل الساعة ، فأنشدك الله في نفسك ! فقال له أبو الخصيب مثلها ، فجذب ثوبه منهما وركب دابته ، وخرج ومعن آخذ بلجام دابته ، وأبو الخصيب مع ركابه ، وأتاه رجل فقتله معن حتى قتل أربعة في تلك الحالة ، حتى اجتمع إليه الناس فلم يكن إلا ساعة حتى أفنوهم .

[ ص: 88 ] ثم تغيب معن ، فسأل المنصور عنه أبا الخصيب فقال : لا أعلم مكانه . فقال المنصور : أيظن معن أن لا أغفر ذنبه بعد بلائه ؟ أعطه الأمان وأدخله علي ، فأدخله إليه ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، ثم ولاه اليمن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث