الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                      صفحة جزء
                                                      [ ص: 233 ] الوجوب لغة : اللزوم ، ومنه وجب البيع إذا لزم ، والسقوط ، ومنه { فإذا وجبت جنوبها } والثبوت ومنه { اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك } . وفي الاصطلاح : لنا إيجاب ووجوب واجب . فالإيجاب : الطلب القائم بالنفس وليس للعقل منه صفة ، فإن القول ليس لمتعلقه منه صفة لتعلقه بالمعدوم . والوجوب : تعلقه بأفعال المكلفين . فالواجب : نفس فعل المكلف ، وهو المقصود هاهنا بالتحديد . وقد ذكروا فيه حدودا فقالت القدماء : ما يعاقب تاركه . واعترض بجواز العفو ، وأجيب : إنما يرد لو أريد إيجاب العقاب ، وأما إذا أريد أنه أمارة أو سبب للعقاب فلا يجوز أن يتخلف لمانع ، وهو العفو . ومنهم من اعتذر بأن الخلف في الوعيد كرم وهو فاسد ; لأن كلام الله تعالى يستحيل الخلف فيه لذاته . [ ص: 234 ] وأجاب ابن دقيق العيد بحمل العقاب على ترك جنس ذلك الفعل ، وحينئذ لا يبطل باحتمال العفو إلا إذا وقع العفو عن كل فرد من أفراد التارك ، وهذا بالنسبة إلى كل الأفراد من الواجبات لا يصح لدلالة الدليل الشرعي على عقاب بعض العصاة .

                                                      وأجاب العبدري في شرح المستصفى " بأنه ليس في الشريعة توعد بالعقاب مطلق بل مقيد بشرط أن لا يتوب المكلف ولا يعفى عنه . وقد قال القاضي رحمه الله : لو أوجب الله علينا شيئا لوجب وإن لم يتوعد بالعقاب على تركه ، فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالتوعد لكن هذا مردود ، إذ لا يعقل وجوب بدون توعد ، وحكى الأستاذ أبو إسحاق عن الفقهاء أنهم عرفوه بما يستحق اللوم على تركه ، وحكى القاضي الحسين في كتاب الإيمان من تعليقه " عن أصحابنا أنهم حدوا الواجب بما يخشى العقاب على تركه . قال : ولا يلزم عليه القصر في السفر ; لأنه تركه إلى بدل . انتهى .

                                                      وزيفه إمام الحرمين بما يظن وجوبه ، وليس بواجب ، فإنه يخاف العقاب على تركه مع انتفاء الوجوب . وقيل : هو المطلوب جزما ، ثم العقاب ، أو اللوم ، أو الذم يكون من إشارة تعريف بدليل آخر ، ولا يجوز تحديد الشيء بآثاره ، وأما المتأخرون فالمختار عندهم ما قاله القاضي أبو بكر : أنه الذي يذم [ ص: 235 ] تاركه شرعا بوجه ما . فالمراد بالذم ما ينبئ عن اتضاح حال الغير ، وتارك الواجب ، وإن عفي عنه فالذم من الشارع لا ينفك عنه وأقله أنه يسميه عاصيا ، وهو ذم قطعا ، ولا يكرمه مثل إكرام الآتي به ، وإن عفي عنه ، إذ يسلبه منصب العدالة . وقيل : شرعا ليوافق مذهبنا ، وبوجه ما ليدخل الواجب الموسع ، والمخير ، والفرض على الكفاية ; لأنه وإن كان لا يذم تارك الصلاة في أول الوقت مع اتصافها بالوجوب فيه لو وقعت ، لكن لو تركها في جميع الوقت أو في أوله ولم يعزم على فعله فيما بعده لاستحق الذم ، وإن كان لا يستحق الذم على رأي الجاعل للعزم بدلا عنه وكذا القول في الواجب المخير ، وأنه لو ترك كل الخصال استحق الذم ، وإن كان لا يستحق ذلك على ترك بعضها وفعل البعض الآخر ، وكذا القول في فرض الكفاية ، فإنه لو تركه البعض وقام به البعض لا يذم تاركه .

                                                      أما لو تركه الجميع حرجوا جميعا ، ولا يرد عليه النائم ، والناسي ، وصوم المسافر كما قاله ابن الحاجب إذ لا وجوب في حقهم على قول المتكلمين . والقاضي منهم . أما على رأي بعض الفقهاء فقد أجيب بأنهم لا يذمون على بعض الوجوه ، فإنه لو انتبه أو تذكر ذم . فإن قلت : الذام إما أن يكون صاحب الشرع أو أهل الشرع . أما الأول فباطل ; لأن الشارع ما نص على ذم كل تارك بعينه ، وأما أهل الشرع فإنما يذمون من علموا أنه ترك واجبا ، فذمهم موقوف على معرفتهم بالواجب ، فلو عرف به لدار . والجواب : ما قاله السهروردي : نختار أن الذام هو الشارع بصيغ [ ص: 236 ] العموم { فأولئك هم الظالمون } { فأولئك هم الفاسقون } ولأن التارك عاص ، وكل عاص مذموم العامة . سلمنا ، ولا دور ; لأن تصور الواجب موقوف على تصور الذم ، وتصور الذم من أهل الشرع ليس موقوفا على تصور الواجب ، فلا دور ، وأورد في المحصول " السنة فإن الفقهاء قالوا : إن أهل محلة لو اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار فإنهم يحاربون بالسلاح ، وهذا لم يقولوه بالنسبة إلى سنة الفجر بل بالآذان والجماعة ونحوها من الشعائر الظاهرة ، ومع ذلك فالصحيح : أنا إذا قلنا بسنيتها لا يقاتلون على تركها خلافا لأبي إسحاق المروزي ، وإن جرينا على هذا القول فالمقاتلة على ما يدل عليه الترك من الاستهانة بالدين لا على خصوصية ترك السنة من حيث هي .

                                                      التالي السابق


                                                      الخدمات العلمية