الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

قول من يقول : «إن لله عبادا يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم » حق ، لكن هذا لا يستمر في جميع أنواع رضاهم وغضبهم ، فإن ذلك إنما يكون لمن لا ذنب له أصلا ، لكن قد يكون في غالب رضاهم وغضبهم . وذلك لأن من كان رضاه وغضبه موافقا لرضى الله وغضبه فإن الله يرضى لرضاه ويغضب لغضبه ، وهذا يقع من الطرفين ، تارة يرضون لرضى الله ويغضبون لغضبه ، وتارة يرضى الله لرضاهم ويغضب لغضبهم .

ودليل ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه قال : «من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ، ولا بد له منه » .

فقد أخبر أنه من عادى وليه فقد بارزه بالمحاربة ، وفي المعاداة [ ص: 130 ] مغاضبة ومباغضة ، ثم قال : «فإذا أحببته كنت سمعه » إلى آخره ، إلى أن قال : «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ، ولا بد له منه » . فأخبر أنه يكره ما يكره عبده الموت ، حتى يكره مساءته بالموت ، مع أنه لا بد له منه ، ويحب ما يحب . والحب والكراهة أصل الرضى والغضب .

وأيضا ففي صحيح مسلم عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها . فقال أبو بكر : تقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك » ، فأتاهم ، فقال : يا إخوتاه! أغضبتكم ؟ قالوا : لا ، يغفر الله لك يا أخي أبا بكر .

فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أنه إن كان أغضب أولئك المؤمنين الذين قالوا لأبي سفيان ما قالوا ، وهم بلال وصهيب وسلمان ومن معهم من أهل الإيمان والتقوى ، الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه معهم وإن كانوا مستضعفين ، وأن لا يطيع من أغفل قلبه عن ذكر الله واتبع هواه وإن [ ص: 131 ] كان من الرؤساء فقد أغضب الله . ولا ريب أنه لو أغضبهم فإنه كان يكون ذلك انتصارا لأبي سفيان لرئاسته في قومه ، وأولئك هم أولياء الله الذين يغضبون لله ويرضون له ، فإغضابهم إغضاب لله . [ ص: 132 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية