الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا ترد به

[ ص: 72 ] ( الفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا ترد به )

اعلم أن الأمة مجمعة على رد الشهادة بالتهمة من حيث الجملة لكن وقع الخلاف في بعض الرتب ، وتحرير ذلك أن التهمة ثلاثة أقسام مجمع على اعتبارها لقوتها ، ومجمع على إلغائها لخفتها ، ومختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع فأعلاها شهادة الإنسان لنفسه مجمع على ردها ، وأدناها شهادة الإنسان لرجل من قبيلته أجمع على اعتبارها ، وبطلان هذه التهمة ، ومثال المتوسط بين هاتين الرتبتين شهادته لأخيه أو لصديقه الملاطف ، ونحو ذلك فوافقنا أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في عمودي النسب الآباء والأبناء لا يشهد لهم ، وخالفونا في الأخ والصديق الملاطف ، ووافقنا ابن حنبل في الزوجين فلا تقبل الشهادة لهما ، وخالفنا الشافعي فقبل ، ووافقنا الشافعي وابن حنبل في اعتبار العداوة إلا أن تكون في الدين ، وقال أبو حنيفة [ ص: 71 ] العداوة مطلقا ، ونحو ذلك من المسائل المتوسطات لنا قوله عليه الصلاة والسلام { لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين } احتجوا بظاهر قوله تعالى { شهيدين من رجالكم } وبقوله { ذوي عدل منكم } ونحو ذلك من الظواهر والفقه مع من كانت القواعد والنصوص معه أظهر ، ومن ذلك من ردت شهادته لفسقه أو كفره أو صغره أو رقه ثم أداها بعد زوال هذه الصفات فإنه يتهم في تنفيذ ما رد فيه منعناها نحن وابن حنبل .

وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما يقبل الكل إلا الفاسق ، والفرق أن الفاسق تسمع شهادته ثم ينظر في عدالته فيتحقق الرد بالظهور على الفسق ، وأولئك لم تسمع شهادتهم لما علم من صفاتهم فلا يتحقق الرد الباعث على التهمة ، ولنا شهادة العوائد ، ولأنه مروي عن عثمان رضي الله عنه ، ولأن العلم بصفاتهم لو وقع قبل الأداء لما وقع الأداء ، وإنما منعنا حيث وقع الأداء فصفاتهم حينئذ تكون مجهولة فسقط الفرق ، وعكسه لو حصل البحث عن الفسق قبل الأداء قبلت شهادته إذا لم ترد ، وصلحت حاله ، ومنعنا شهادة أهل البادية إذا قصدوا في التحمل دون أهل الحاضرة في البياعات والنكاح والهبة ونحوها لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة في إبطال ما شهدوا به ، وقال ابن حنبل لا يقبل بدوي مطلقا على قروي .

وقال أبو حنيفة والشافعي تقبل مطلقا ، لنا الحديث المتقدم ، وفي أبي داود { لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية } ، وهو محمول عندنا على موضع التهمة جمعا بينه وبين العمومات الدالة على قبول الشهادة التي تقدمت ، وحملوهم الحديث على من لم تعلم عدالته من الأعراب قالوا وهو أولى لقلة التخصيص حينئذ في تلك العمومات في الصحيحين { أن أعرابيا شهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال فقبل شهادته على الناس } ، ولأن من قبلت شهادته في الجراح قبلت في غيرها كالحضري ، ولأن الجراح آكد من المال ففي المال أولى .

والجواب عن الأول أن جمعنا أولى لأنه لو كان لأجل عدم العدالة لم يكن لتخصيصه بصاحب القرية فائدة بل للتهمة ، وعن الثاني نحن نقبله في الهلال لعدم التهمة المتقدم ذكرها ، وعن الثالث أن الجراح يقصد الخلوات دون المعاملات فكانت التهمة في المعاملات موجودة دون الجراح .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا يرد به )

قد علمت مما تقدم أن التهمة ثلاثة أقسام : ( الأول ) تهمة الاجتراء على الكذب التي سببها ارتكاب بعض المعاصي ، وقد تضمنها الركن الأول من ركني الشهادة ، والثاني تهمة خلل العقل التي سببها فعل بعض المباحات ، والثالث تهمة الاجتراء على الكذب التي سببها المحبة بنحو القرابة أو البغضة بالعداوة ، وقد تضمن هذين القسمين الركن الثاني منهما ، والمراد هنا القسم الثالث ، والأمة مجمعة على رد الشهادة بتهمة سببها ما ذكر من حيث الجملة إلا أن هذه التهمة ثلاثة أقسام أيضا :

( القسم الأول ) مجمع على اعتبارها لفوتها كشهادة الإنسان لنفسه ، وكشهادة الأب لابنه ، والأم لابنها ، وبالعكس فقد ذهب شريح وأبو ثور وداود إلى أن شهادة الأب لابنه تقبل فضلا عمن سواه إذا كان الأب عدلا لوجهين الأول قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } فإن الأمر بالشيء يقتضي إجراء المأمور إلا ما خصصه الإجماع من شهادة المرء لنفسه الثاني إن رد الشهادة بالجملة إنما هو لموضع اتهام الكذب ، وهذه التهمة إنما اعتملها الشرع في الفاسق ، ومنع إعمالها في العادل فلا تجتمع العدالة مع التهمة

( والقسم الثاني ) مجمع على إلغائها لخفتها كشهادة الإنسان لرجل من قبيلته قال في البداية ، ومنه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارا على ما قال مالك وما لم يكن منقطعا إلى أخيه يناله بره ، وصلته فقد اتفقوا على إسقاط التهمة فيها ما عدا الأوزاعي فإنه قال لا يجوز ، ومفاد كلام الأصل أن التهمة فيها تلغى عند أبي حنيفة والشافعي وابن حنبل ، وتعتبر عندنا مطلقا ، وسلمه ابن الشاط فانظر ذلك

( والقسم الثالث ) مختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع ، ومن أمثلته شهادة الزوجين أحدهما للآخر فإن مالكا وأبا حنيفة وابن حنبل ردوها ، وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن ، وقال ابن أبي ليلى تقبل شهادة الزوج لزوجتيه ، ولا تقبل شهادتها له ، وبه قال النخعي ، ومنها شهادة الشاهد لصديقه الملاطف فترد عندنا ، وتقبل عند أبي حنيفة [ ص: 114 ] والشافعي وابن حنبل ، ومنها شهادة العدو على عدوه فقال أبو حنيفة تقبل مطلقا ، وقال مالك لا تقبل مطلقا ، وقال الشافعي لا تقبل إلا أن تكون في الدين .

لنا وجوه الأول قوله عليه الصلاة والسلام { لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين } الثاني ما خرجه أبو داود من قوله صلى الله عليه وسلم { لا تقبل شهادة بدوي على حضري } لقلة شهود البدوي ما يقع في المصر الثالث القياس على ما أجمع الجمهور عليه من تأثير العداوة في الأحكام الشرعية مثل إجماعهم على عدم توريث القاتل المقتول ، وعلى توريث المبتوتة في المرض ، وإن كان فيه خلاف ، واحتجوا بظواهر منها قوله تعالى { شهيدين من رجالكم } وقوله تعالى { ذوي عدل منكم } والفقه مع من كانت القواعد والنصوص معه أظهر ، ومن أمثلة هذا القسم من ردت شهادته لفسقه أو كفره أو صغره أو رقه ثم أداها بعد زوال هذه الصفات فإنه يتهم في تنفيذ ما رد فيه فنحن وابن حنبل منعناها ، وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما يقبل الكل إلا الفاسق ، والفرق أن الفاسق تسمع شهادته ثم ينظر في عدالته فيتحقق الرد بالظهور على الفسق ، وأولئك لم تسمع شهادتهم لما علم من صفاتهم فلا يتحقق الرد الباعث على التهمة ، ولنا وجوه الأول شهادة العوائد الثاني أنه مروي عن عثمان رضي الله عنه .

( الثالث ) أن العلم بفسقهم لو وقع قبل الأداء لما وقع الأداء ، وإنما منعنا حيث وقع الأداء فصفاتهم حينئذ تكون مجهولة فسقط الفرق ، وعكسه لو حصل البحث عن الفسق قبل الأداء قبلت شهادته إذا لم ترد ، ومن أمثلة ذلك شهادة أهل البادية إذا قصدوا في التحمل دون أهل الحاضرة فنحن منعناها في البياعات والنكاح والهبة ونحوها لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة في إبطال ما شهدوا به .

وقال ابن حنبل لا تقبل شهادة بدوي على قروي مطلقا ، وقال أبو حنيفة والشافعي تقبل مطلقا لنا ، وجهان الأول حديث لا تقبل شهادة خصم إلخ ، والثاني حمل حديث أبي داود على موضع التهمة جمعا بينه وبين العمومات المتقدمة الدالة على قبول الشهادة ، وحجتهم من وجوه الأول حمل حديث أبي داود على من لم تعلم عدالته من الأعراب قالوا : وهو أولى لقلة التخصيص حينئذ في تلك العمومات ، وجوابه أن جمعنا أولى لأنه لو كان لأجل عدم العدالة لم يكن لتخصيصه بصاحب القرية بل للتهمة ، والثاني ما في الصحيحين { أن أعرابيا شهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال فقبل شهادته على الناس } ، وجوابه أنا نقبله في الهلال لعدم التهمة المتقدم ذكرها ، والثالث أن من قبلت شهادته في الجراح قبلت في غيرها كالحضري ، ولأن الجراح آكد من المال ففي المال أولى ، وجوابه أن الجراح يقصد لها الخلوات دون المعاملات فكانت التهمة في المعاملات موجودة دون الجراح هذا خلاصة ما قاله الأصل ، وصححه ابن الشاط مع زيادة من بداية الحفيد ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث