الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقتل سعيد بن جبير رحمه الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

مقتل سعيد بن جبير ، رحمه الله

قال ابن جرير : وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير ، وكان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى قتال رتبيل ، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير ، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان ، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه ، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها ، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج ، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري ، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها ، فقال سعيد : والله لقد استحييت من الله ، مم أفر ولا مفر من قدره؟!

وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز ، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من أهل العراق إلى الحجاج في القيود ، فتعلم منه خالد بن عبد الله القسري ، فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير ، وعطاء [ ص: 463 ] بن أبي رباح ، ومجاهد بن جبر ، وعمرو بن دينار ، وطلق بن حبيب .

ويقال : إن الحجاج كتب إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواما من أهل الشقاق ، فبعث خالد بهؤلاء إليه ، ثم عفا عن عطاء ، وعمرو بن دينار; لأنهما من أهل مكة ، وبعث بأولئك الثلاثة ، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل ، وأما مجاهد فحبس حتى مات الحجاج .

وأما سعيد بن جبير فلما وقف بين يدي الحجاج قال له : يا سعيد ، ألم أشركك في أمانتي؟ ألم أستعملك؟ ألم أفعل ، ألم أفعل؟ كل ذلك يقول : نعم . حتى ظن من عنده أنه سيخلي سبيله حتى قال له : فما حملك على أن خرجت علي ، وخلعت بيعة أمير المؤمنين؟ فقال سعيد : إن ابن الأشعث أخذ مني البيعة على ذلك ، وعزم علي . فغضب عند ذلك الحجاج غضبا شديدا ، وانتفخ حتى سقط أحد طرفي ردائه عن منكبه ، وقال له : ويحك ، ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها ، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال : بلى . قال : ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة ، فأخذت بيعتك له ثانية؟ قال : بلى . قال : فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين ، وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ يا حرسي اضرب عنقه . قال : فضربت عنقه ، فندر رأسه ، عليه لاطئة صغيرة بيضاء .

[ ص: 464 ] وقال الواقدي : لما أوقف سعيد بن جبير قدام الحجاج ، قال : يا شقي بن كسير ، أما قدمت الكوفة فجعلتك إماما؟ قال : بلى . قال : أما وليتك القضاء ، فضج أهل الكوفة : إنه لا يصلح للقضاء إلا عربي . فجعلت أبا بردة ، وأمرته أن لا يقطع أمرا دونك؟ قال : بلى . قال : أما أعطيتك مائة ألف تفرقها على أهل الحاجة؟ قال : بلى . قال : فما أخرجك علي؟ قال : بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث . فغضب الحجاج ، وقال : أما كانت بيعة أمير المؤمنين في عنقك من قبل؟ ثم قال : أكفرت إذ خرجت علي؟ قال : ما كفرت منذ آمنت . فقال : اختر أي قتلة أقتلك . فقال : اختر أنت ، فإن القصاص أمامك . فقال الحجاج : يا حرسي ، اضرب عنقه . وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين بواسط ، وقبره ظاهر يزار .

ولما قتله خرج منه دم كثير حتى راع الحجاج ، فدعا طبيبا ، فسأله عن ذلك ، فقال : إنك قتلته ونفسه معه ، وقلبه حاضر . وقيل : إن الحجاج رئي في المنام ، فقيل له : ما فعل الله بك؟ فقال : قتلني بكل رجل قتلته قتلة ، وقتلني بسعيد بن جبير اثنتين وسبعين قتلة . والله أعلم .

[ ص: 465 ] قال ابن جرير فحدثت عن أبي غسان مالك بن إسماعيل قال : سمعت خلف بن خليفة يذكر عن رجل ، قال : لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا; مرة يفصح بها ، وفي الثنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها .

وذكر أبو بكر الباهلي قال : سمعت أنس بن أبي شيخ يقول : لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال : لعن ابن النصرانية يعني خالدا القسري ، وكان هو الذي أرسل به من مكة أما كنت أعرف مكانه؟! بلى والله ، والبيت الذي هو فيه بمكة . ثم أقبل عليه ، فقال : يا سعيد ، ما أخرجك علي؟ فقال أصلح الله الأمير ، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ، ويصيب أخرى . فطابت نفس الحجاج ، وانطلق وجهه ، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره ، ثم عاوده في شيء فقال سعيد : إنما كانت بيعة في عنقي . فغضب عند ذلك الحجاج ، فكان ما كان من قتله .

وذكر عتاب بن بشير عن سالم الأفطس قال : أتي الحجاج بسعيد بن جبير ، وهو يريد الركوب ، وقد وضع إحدى رجليه في الغرز ، فقال : والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار ، اضربوا عنقه . فضربت عنقه ، قال : والتبس الحجاج في عقله مكانه ، فجعل يقول : قيودنا قيودنا . فظنوا أنه يريد القيود [ ص: 466 ] التي على سعيد ، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه ، وأخذوا القيود .

وقال محمد بن حاتم : ثنا عبد الملك بن عبد الله ، عن هلال بن خباب قال : جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال : كتبت إلى مصعب بن الزبير؟ فقال : بل كتب إلي مصعب . قال : والله لأقتلنك . قال : إني إذا لسعيد كما سمتني أمي . قال : فقتله . فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما ، فكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ، ويقول : يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج : ما لي ولسعيد بن جبير ، ما لي ولسعيد بن جبير؟ !

قال ابن خلكان : كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي ، مولى بني والبة كوفيا ، أحد الأعلام من التابعين ، وكان أسود اللون ، وكان لا يكتب على الفتيا ، فلما عمي ابن عباس كتب ، فغضب ابن عباس من ذلك . وذكر مقتله كنحو ما تقدم ، وذكر أنه كان في شعبان ، وأن الحجاج مات بعده في رمضان ، وقيل : بستة أشهر .

وذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال : قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج أو قال : مفتقر إلى علمه . [ ص: 467 ] ويقال إن الحجاج لم يسلط بعده على أحد . وسيأتي في ترجمة الحجاج أيضا شيء من هذا .

قال ابن جرير : وكان يقال لهذه السنة : سنة الفقهاء; لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة; مات في أولها علي بن الحسين زين العابدين ، ثم عروة بن الزبير ، ثم سعيد بن المسيب ، وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وسعيد بن جبير من أهل مكة .

وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا " التكميل " ، وسنذكر طرفا صالحا هاهنا ، إن شاء الله تعالى .

قال ابن جرير : واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن حبيب .

وحج بالناس أخوه مسلمة بن عبد الملك ، في قول بعضهم .

وقال الواقدي : حج بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد ، ويقال : [ ص: 468 ] مسلمة بن عبد الملك .

وكان على نيابة مكة خالد بن عبد الله القسري ، وعلى المدينة عثمان بن حيان ، وعلى المشرق بكماله الحجاج ، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم ، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير ، وعلى قضائها أبو بكر بن أبي موسى ، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجراح بن عبد الله الحكمي ، وعلى قضائها عبد الله بن أذينة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث