الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( الفرق الحادي والثلاثون والمائتان بين قاعدة الدعوى الصحيحة وقاعدة الدعوى الباطلة )

فضابط الدعوى الصحيحة أنها طلب معين أو ما في ذمة معين أو ما يترتب عليه أحدهما معتبرة شرعا لا تكذبها العادة فالأول كدعوى أن السلعة المعينة اشتراها منه أو غصبت منه ، والثاني كالديون والسلم ثم المعين الذي يدعي في ذمته قد يكون معينا بالشخص كزيد أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة والقتل على جماعة أو أنهم أتلفوا متمولا ، والثالث كدعوى المرأة الطلاق أو الردة على زوجها فيترتب لها حوز نفسها ، وهي معينة أو الوارث أن أباه مات مسلما أو كافرا فيترتب له الميراث المعين فهي مقاصد صحيحة ، وقولنا معتبرة شرعا احتراز من دعوى عشر سمسمة فإن الحاكم لا يسمع مثل هذه الدعوى لأنه لا يترتب عليه نفع شرعي ، ولهذه الدعوى أربعة شروط أن تكون معلومة محققة لا تكذبها العادة يتعلق بها غرض صحيح ، وفي الجواهر لو قال : لي عليه شيء لم تسمع دعواه لأنها مجهولة ، وكذلك : أظن أن لي عليك ألفا أو : لك علي ألف ، وأظن أني قضيتها لم تسمع لتعذر الحكم بالمجهول إذ ليس بعض المراتب أولى من بعض ، ولا ينبغي للحاكم أن يدخل في الخطر بمجرد الوهم من المدعي ، وقالت الشافعية لا يصح دعوى المجهول إلا في الإقرار والوصية لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال ، والمال غير معلوم ، وصحة الملك في الإقرار بالمجهول من غير حكم ، ويلزمه الحاكم بالتعيين ، وقاله أصحابنا .

وقال الشافعية إن ادعى بدين من الأثمان ذكر الجنس دنانير أو دراهم ، والنوع مصرية أو مغربية ، والصفة صحاحا أو مكسرة والمقدار والسكة ، ويذكر في غير الأثمان الصفات المعتبرة في السلم ، وذكر القيمة مع الصفات أحوط ، وما لا تضبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد ، ويذكر في الأرض والدار اسم الصقع والبلد ، وفي السيف المحلى بالذهب قيمته فضة ، وبالفضة قيمته ذهبا أو بهما قومه بما شاء منهما لأنه موضع ضرورة ، ولا يلزم ذكر سبب ملك المال بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم هاهنا دون المال بالعمد والخطأ ، وهل قتله وحده أو مع غيره ، ولأن إتلافه لا يستدرك بخلاف المال ، وهذا كله لا يخالفه أصحابنا ، وقواعدنا تقتضيه غير أن قولهم وقول أصحابنا إن من شرطها أن تكون معلومة فيه نظر فإن [ ص: 73 ] الإنسان لو وجد وثيقة في تركة مورثه أو أخبره عدل بحق له فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذا ، والحلف بمجرده عندنا وعندهم مع أن هذه الأسباب لا تفيد إلا الظن فإن أرادوا أن العلم في نفس الأمر عند الطالب فليس كذلك ، وإن أرادوا أن التصريح بالظن يمنع الصحة ، والسكوت عنه لا يقدح فهذا مانع لأن عدمه شرط ، وأيضا فما جاز الإقدام معه لا يكون التصريح به مانعا كما لو شهدوا بالاستفاضة وبالسماع وبالظن في الفلس وحصر الورثة ، وصرح بمستنده في الشهادة لم يكن ذلك قادحا على الصحيح فكذلك هاهنا ، وقال بعض الشافعية يقدح تصريح الشاهد بمستنده في ذلك .

وليس له وجه فإن ما جوزه الشرع لا يكون النطق به منكرا ، وهذا مقتضى القواعد ، وقولي لا تكذبهما العادة سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مسائل هذا الفرق فهذا هو الفرق بين قاعدة ما يسمع ، وقاعدة ما لا يسمع من الدعاوى من حيث الجملة ، ويكمل البيان في ذلك بمسألتين .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الثاني والثلاثون والمائتان بين قاعدتي الدعوى الصحيحة ، والدعوى الباطلة ) وهو أن الباطلة ما كانت غير معتبرة شرعا بأن اختل منها شرط من شروطها ، والصحيحة ما كانت معتبرة شرعا بأن استوفت شروطها وشروطها خمسة :

( الشرط الأول ) بيان المدعي فيه بأن يكون متصورا في ذهن المدعي والمدعى عليه والقاضي [ ص: 115 ] بأحد نوعين :

( النوع الأول ) ببيان عينه كدعوى أن هذا الثوب أو الفرس اشتراه منه أو أن هذه الدراهم غصبت منه أو بيان صفته كلي في ذمته ثوب أو فرس صفتهما كذا أو دراهم يزيدية أو محمدية أو سبني أو شتمني أو قذفني بلفظ كذا إذ ليس كل سب وشتم يوجب الحد

( والنوع الثاني ) بيان سبب المدعي فيه المعين كدعوى المرأة الطلاق أو الردة لتحرر نفسها ، وهي معينة أو بيان سبب ما في ذمة المعين كدعوى المرأة المسيس أو القتل خطأ ليترتب الصداق أو الدية في ذمة الزوج أو العاقلة المعينة بالنوع قال تستوي العاصمية ، وهذا النوع بمثاليه راجع في المعنى للنوع الأول لأن المدعي يقول فيهما أحرزت نفسي لأنك طلقتني ، ولي عليك صداق أو دية لأنك مسستني أو قتلت وليي ، وكذا لو قال بعت لك داري أو أجرتها منك فادفع لي ثمنها أو أجرتها ، ولذكر السبب في هذا النوع لا يحتاج المدعي فيه لبيان السبب بخلاف النوع الأول فإن في كون بيان السبب فيه كان يقول من تعد أو بيع قال خليل وكفى بعت وتزوجت ، وحمل على الصحيح ، وإلا فليسأله الحاكم عن السبب ثم قال وللمدعى عليه السؤال عن السبب ا هـ .

ليس من تمام صحة الدعوى أو من تمام صحتها خلافان الأول للحطاب قال بدليل قول خليل ، والمدعى عليه إلخ ، والثاني الرماحي محتجا بكلام المجموعة وابن عرفة قال التسولي ، واعتراض بناني عليه بأنه لو كان شرطا لبطلت الدعوى مع عدم ادعاء النسيان ساقط لما علمت من أن هذا إنما هو شرط صحة إذا لم يدع النسيان كما أن الدعوى بالمجهول ساقطة مع القدرة على التفسير عند المازري ، وغيره كما يأتي ثم قال ويؤيد القول بأن بيان السبب من تمام صحة الدعوى أنه يمكن أن يكون سبب ما يدعيه فاسدا كونه ثمن خمر أو ربا ، ونحو ذلك .

ولذا قال ابن حارث إذا لم يسأله القاضي عنه أي السبب كان كالخابط خبط عشواء قال فإن سأله الحاكم أو المدعى عليه عنه ، وامتنع من بيانه لم يكلف المطلوب بالجواب فإن ادعى نسيانه قبل بغير يمين ا هـ .

قال التسولي وينبني على بيانه أن المطلوب إذا قال في جوابه لا حق لك علي لا يكتفى منه بذلك بل حتى ينفي السبب الذي بينه المدعي ا هـ . وفي الأصل قالت الشافعية ، ولا يلزم ذكر سبب ملك المال بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم هاهنا بالعمد والخطأ ، وهل قتله وحده أو مع غيره بخلاف المال ، ولأن إتلافه لا يستدرك بخلاف المال ، وهذا لا يخالفه أصحابنا وقواعدنا تقتضيه .

وأما قول الشافعي وابن حنبل رضي الله عنهما لا تسمع الدعاوى في النكاح حتى يقول تزوجتها بولي ورضاها وشاهدي عدل بخلاف دعوى المال وغيره محتجين بثلاثة وجوه : الأول أن النكاح خطر كالقتل إذ الوطء لا يستدرك . الثاني أن النكاح لما اختص بشروط زائدة على البيع من الصدق وغيره خالفت دعواه الدعاوى قياسا للدعوى على المدعى به الثالث أن المقصود من جميع العقود يدخله البدل والإباحة بخلافه فكان خطرا فيحتاط فيه فهو خلاف مذهبنا من أن الدعوى في النكاح تسمع ، وإن لم يقل تزوجتها بولي ، وبرضاها بل يكفيه أن يقول هي زوجتي .

وقاله أبو حنيفة رضي الله عنه لنا وجهان الأول القياس على البيع والردة والعدة فلا يشترط التعرض لهما فكذلك غيرهما الثاني أن ظاهر عقود المسلمين الصحة وأما ما احتجوا به فالجواب عن الأول أن غالب دعوى المسلم الصحة كما علمت فالاستدراك حينئذ نادر لا عبرة به ، والقتل خطره أعظم من حرمة النكاح [ ص: 116 ] والنذر وهو الفرق المانع من القياس وعن الثاني أن دعوى الشيء يتناول شروطه بدليل البيع فكما لا يحتاج البيع في دعواه إلى الشروط كذلك النكاح لا يحتاج في دعواه إليها وعن الثالث أن الردة والعدة لا يدخلهما البدل ويكفي الإطلاق فيهما ا هـ .

قال تسولي العاصمية وخرج بهذا الشرط الدعوى بمجهول العين أو الصفة كلي عليه شيء لا يدري جنسه ونوعه أو أرض لا يدري حدودها أو ثوب لا يدري صفته أو دراهم لا يدري صفتها ولا قدرها ونحو ذلك فلا نسمع لأن المطلوب لو أقر وقال نعم على ما يدعيه أو أنكر وقامت البينة بذلك لم يحكم عليه بهذا الإقرار ولا بتلك الشهادة إذ الكل مجهول والحكم به متعذر فليس الحكم بالهروي بأولى من المروي مثلا ولا باليزيدية بأولى من المحمدية إذ من شرط صحة الحكم تعيين المحكوم به ولا تعيين هاهنا وهكذا نقله غير واحد وهو ظاهر على أحد القولين في قول ابن عاصم :

ومن لطالب بحق شهدا

ولم يحقق عند ذاك العدد إلخ وقال المازري تسمع الدعوى بالمجهول البساطي وهو الصواب لقولهم يلزم الإقرار بالمجهول ويؤمر بتفسيره فكذلك هذا يؤمر بالجواب لعله يقر فيؤمر بالتفسير ويسجن له .

فإن ادعى المقر الجهل أيضا فانظر ما يأتي عند قوله ومن لطالب بحق شهدا إلخ وانظر شرحنا للشامل أول باب الصلح قال الحطاب مسائل المدونة مريحة في صحة الدعوى بالمجهول المازري وليس منه الدعوى على سمسار دفع إليه ثوبا ليبيعه بدينارين وقيمته دينار ونصف لأن الدعوى هنا تعلقت بأمر معلوم في الأصل ولا يضره كونه لا يدري ما يجب له على السمسار هل الثمن الذي سماه إن باع أو قيمته إن استهلكه أو غيبه إن لم يبع ا هـ إلخ .

قلت الدعوى هنا إنما هي في الثوب وهو معين فهو يطالبه برده لكن إن استهلك أو باع فيرد الثمن أو القيمة لقيامهما مقامه تأمل . ا هـ . كلام التسولي وفي الأصل قالت الشافعية لا يصح دعوى المجهول إلا في الإقرار والوصية لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال والمال غير معلوم وصحة الملك في الإقرار بالمجهول من غير حكم ويلزمه الحاكم بالتعيين وقاله أصحابنا وقالت الشافعية إن ادعى بدين فإن كان من الأثمان ذكر الجنس دنانير أو دراهم والنوع مصرية أو مغربية والصفة صحاحا أو مكسرة والمقدار والسكة وإن كان من غير الأثمان فإن كان مما تضبطه الصفة ذكر الصفات المعتبرة في السلم والأحوط أن يذكر معها القيمة وإن كان مما لا تضبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد ويذكر في الأرض والدار اسم الصقع والبلد وفي السيف المحلى بالذهب قيمته فضة وبالفضة قيمته ذهبا أو بهما قومه بما يشاء لأنه موضع ضرورة وهذا لا يخالفه أصحابنا وقواعدنا تقتضيه ا هـ .

( الشرط الثاني ) تحقق الدعوى بالمدعى فيه أي جزمها وقطعها بأن يقول لي عليه كذا احترازا من نحو أشك أو أظن أن لي كذا فإنها لا تسمع قال الأصيل وفي اشتراط أصحابنا والشافعية هذا نظر لأن من وجد وثيقة في تركة موروثه أو أخبره عدل بحق له فلا يفيده ذلك إلا الظن ومع ذلك يجوز له الدعوى به وإن شهد بالظن كما لو شهد بالاستفاضة والسماع والفلس وحصر الورثة وصرح بالظن الذي هو مستنده في الشهادة فلا يكون قادحا فكذلك هاهنا لأن ما جاز الإقدام معه لا يكون النطق به قادحا قال التسولي على العاصمية وأجاب بعضهم بأن الظن هاهنا لقوته نزل منزلة القطع ألا ترى أنه قد جاز له الحلف معه .

قال خليل واعتمد الباب على ظن قوي كخطه أو خط [ ص: 117 ] أبيه إلخ ثم عدم سماعها في الظن الذي لا يفيد القطع مبني على القطع بأن يمين التهمة لا تتوجه أبو الحسن والمشهور توجهها ابن فرحون يريد بعد إثبات كون المدعى عليه ممن تلحقه التهمة ا هـ .

وعليه فتسمع فيمن ثبتت تهمته ، وإلا فلا خليل ، واستحق به بيمين إن حقق ويمين تهمة بمجرد النكول إلخ .

وقال ابن عاصم وتهمة إن قويت بها تجب يمين متهوم إلخ قال التسولي ولقائل أن يقول إن الدعوى تسمع هاهنا ، ولو قلنا بعدم توجه عين التهمة فيؤمر بالجواب لعله يقر فتأمله فلو قال أظن أن لي عليه ألفا فقال الآخر أظن أني قضيته لم يقض عليه بشيء لتعذر القضاء بالمجهول إذ كل منها شاك في وجوب الحق له أو عليه فليس القضاء بقول المدعي بأولى من القضاء بقول الآخر فلو قال المطلوب نعم كان له الألف علي ، وأظن أني قضيته لزمه الألف قطعا ، وعليه البينة أنه قضاه ثم قال التاودي والتسولي ، والتحقق في هذا الشرط راجع للتصديق ، والعلم والبيان في الشرط الأول راجع للتصور فلا يغني أحدهما عن الآخر كما لابن عبد السلام في كلام ابن الحاجب ا هـ .

( الشرط الثالث ) كون المدعى فيه ذا غرض صحيح أي يترتب عليه نفع شرعي احتراز من الدعوى بقمحة أو شعيرة أو عشر سمسمة ، ونحو ذلك ، ولذا لا يمكن المستأجر للبناء ونحوه من قلع ما لا قيمة له .

( الشرط الرابع ) كون المدعي فيه مما لو أقر به المطلوب لقضى عليه به احترازا من الدعوى بأنه قال داري صدقوا بيمين مطلقا أو بغيرها ، ولم يعين إلخ ، ومن الدعوى عليه بالوصية للمساكين ، ومما يؤمر فيه بالطلاق من غير قضاء كقوله إن كنت تحبيني أو تبغضيني ، ومن الدعوى على المحجور ببيع ونحوه من المعاملات فلا يلزمه ، ولو ثبت بالنية بخلاف ما إذا ثبت عليه الاستهلاك أو الغصب ، ونحوهما خليل ، وضمن ما أفسد إن لم يؤمن عليه ا هـ .

قال التسولي ، وظاهر هذا أن المحجور لا تسمع الدعوى عليه في المعاملات ، ولو نصبه وليه لمعاملات الناس بمال دفعه إليه للتجارة ليختبره ، وهو كذلك إذ الدين اللاحق لا يلزمه لا فيما دفع إليه ، ولا فيما بقي ، ولا في ذمته لأنه لم يخرج بذلك من الولاية قاله في المدونة ، وقيل يلزمه ذلك في المال المدفوع إليه خاصة ، وهذا إذا لم يصن به ماله ، وإلا فيضمن في المال المصون ، وهو محمول على عدم التصوين ، وانظر ما يأتي لنا عند قوله " وجار للوصي فيما حجرا إعطاء بعض ماله مختبرا " قال والظاهر أن هذا الشرط يغني عن الذي قبله ، ولا يحترز به عن دعوى الهبة والوعد لأنه يؤمر بالجواب فيهما ، ولو على القول بعدم لزومهما بالقول لاحتمال أن يقر ، ولا يرجع عن الهبة ، ولا يخلف وعده ا هـ كلام التسولي قلت وأشار بقوله ولا يحترز به إلخ لدفع قول التاودي أنه احتراز من دعوى الهبة على القول الشاذ ، وهو أنها لا تلزم بالقول ا هـ .

( الشرط الخامس ) كون العادة لا تكذب الدعوى بالمدعى فيه قال التسولي واحترز به من الدعوى بالغصب والفساد على رجل صالح خليل وأدب مميز كمدعيه على صالح ا هـ ومن مسألة الحيازة المعتبرة فإن الدعوى لا تسمع فيها ، وقيل تسمع ، ويؤمر المطلوب بجوابها لعله يقر أو ينكر فيحلف قاله الحطاب ، وهو المعتمد ا هـ .

وفي الأصل أنه احتراز عن الدعوى التي تكذبها العادة كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار في يد زيد ، وهو حاضر يراه يهدم ويبني ويؤاجر مع طول الزمان من غير وازع يزعه عن الطلب من رهبة أو رغبة فلا تسمع دعواه لظهور كذبها ، والسماع إنما هو لتوقع الصدق فإذا تبين الكذب عادة امتنع توقع الصدق .

واختلفوا في طول الزمان الذي تكذب به العادة دعوى [ ص: 118 ] الحاضر الأجنبي فلم يحده مالك بالعشيرة بل قال من أقامت بيده دار سنين يكري ويهدم ويبني فأقمت ببينة أنها لك أو لأبيك أو لجدك ، وثبتت المواريث ، وأنت حاضر تراه يفعل ذلك فلا حجة لك فإن كنت غائبا أفادك إقامة البينة والعروض ، والحيوان والرقيق كذلك ، وكذلك قال الأصحاب في كتاب الإجارات إذا ادعى بأجرة من سنين لا تسمع دعواه إن كان حاضرا ، ولا مانع له ، وكذلك إذا ادعى بثمن سلعة من زمن قديم ، ولا مانع من طلبه ، وعادتها تباع بالنقد ، وشهدت العادة أن هذا الثمن لا يتأخر ، وقال ربيعة عشر سنين تقطع الدعوى للحاضر إلا أن يقيم ببينة أنه أكرى أو أسكن أو أعار ، ولا حيازة على غائب ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من حاز شيئا عشر سنين فهو له } ، ولقوله تعالى { وأمر بالعرف } فكل شيء يكذبه العرف وجب أن لا يؤمر به بل يؤمر بالملك لحائزه لأن العرف .

وقال ابن القاسم الحيازة من الثمانية إلى العشرة ، وأما في الأقارب فقال مالك الحيازة المكذبة للدعوى في العقار نحو الخمسين سنة لأن الأقارب يتسامحون لبر القرابة أكثر من الأجانب إما لدون هذا القدر من الطول فلا تكون الدعوى كاذبة ، وخالفنا الشافعي رضي الله عنه ، وسمع الدعوى في جميع هذه الصور لنا النصوص المتقدمة ، وهذا قسم من أقسام الدعوى الثلاثة ، ويبقى قسمان داخلان تحت قاعدة الدعوى الصحيحة : ( الأول ) ما تصدقها العادة كدعوى القريب الوديعة . ( والثاني ) ما لم تقض العادة بصدقها ، ولا بكذبها كدعوى المعاملة ، ويشترط فيها الخلطة ، وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في بيان قاعدتي من يحلف ومن لا ا هـ كلام الأصل وصححه ابن الشاط .

( تنبيهان : الأول ) قال التسولي علم مما مر أن هذه الشروط كلها مبحوث فيها ما عدا الشرط الرابع ا هـ فافهم .

( التنبيه الثاني ) قال التاودي على العاصمية هذه شروط الدعوى ، وأما الدعوى نفسها فقال القرافي هي طلب معين كهذا الثوب ، وما في ذمة معين كالدين والسلم ، وادعاء ما يترتب عليه أحدهما أي ما يترتب عليه المعين كدعوى المرأة على زوجها الطلاق أو الردة لتحرر نفسها ، وهي معينة ، وما يترتب عليه ما في ذمة معين كدعوى المسيس أو القتل ليترتب الصداق والدية في ذمة العاقلة المعينة بالنوع ا هـ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث