الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      [ ص: 350 ] قال المصنف : رحمه الله تعالى ( وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة نظر ، فإن كان في الحضر أعاد الصلاة ; لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل ، فلم يسقط معه الفرض ، كما لو صلى بنجاسة نسيها ، وإن كان في السفر نظرت فإن كان في سفر طويل لم يلزمه الإعادة ; لأن عدم الماء في السفر عذر عام ، فسقط معه فرض الإعادة ، كالصلاة مع سلس البول ، وإن كان في سفر قصير ففيه قولان أشهرهما : أنه لا يلزمه الإعادة ; لأنه موضع يعدم فيه الماء غالبا ، فأشبه السفر الطويل .

                                      وقال في البويطي : لا يسقط الفرض عنه ; لأنه لا يجوز له القصر فلا يسقط الفرض عنه بالتيمم كما لو كان في الحضر ، وإن كان في سفر معصية ففيه وجهان .

                                      ( أحدهما ) : تجب عليه الإعادة ; لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر ، والسفر معصية ، فلم تتعلق به رخصة ، ( والثاني ) : لا تجب ; لأنا لما أوجبنا عليه ذلك ، صار عزيمة فلم يلزمه الإعادة ) .

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) في هذه القطعة مسائل : ( إحداها ) : إذا عدم الحاضر الماء في الحضر ، فحاصل المنقول فيه ثلاثة أقوال . الصحيح المشهور المقطوع به في أكثر كتب الشافعي وطرق الأصحاب : أنه يتيمم ويصلي الفريضة وتجب إعادتها إذا وجد الماء . أما وجوب الصلاة بالتيمم فقياسا على المسافر والمريض لاشتراكهما في العجز ، وأما الإعادة ; فلأنه عذر نادر غير متصل ، احترازنا بالنادر عن المسافر والمريض ، وبغير المتصل عن الاستحاضة .

                                      ( والقول الثاني ) : تجب الصلاة بالتيمم ولا إعادة ، كالمسافر والمريض ، حكاه الخراسانيون ، وهو مشهور عندهم .

                                      ( والثالث ) : لا تجب الصلاة في الحال بالتيمم ، بل يصبر حتى يجد الماء . حكاه صاحب البيان وجماعة من الخراسانيين وليس بشيء .

                                      ( المسألة الثانية ) : إذا صلى بالتيمم في سفر طويل ، ثم وجد الماء بعد الفراغ لا يلزمه الإعادة لظواهر الأحاديث ; ولأن عدم الماء في السفر عذر عام فسقط الفرض بالتيمم بسببه ، كالصلاة قاعدا لعذر المرض ، ولا فرق بين وجود الماء [ ص: 351 ] في الوقت وبعده .

                                      قال صاحب البحر : قال أصحابنا : ولا تستحب الإعادة في هذه المسألة ، ثم المذهب الصحيح المشهور أنه لا فرق بين أن يكون السفر مسافة القصر أو دونها وإن قل ، وهذا هو المنصوص في كتب الشافعي .

                                      وقال الشافعي في البويطي : وقد قيل : لا يتيمم إلا في سفر يقصر فيه الصلاة فمن أصحابنا من جعل هذا قولا للشافعي ، فقال : في قصير السفر قولان ، وممن سلك هذه الطريقة المصنف ، وقال الأكثر : القصير كالطويل بلا خلاف ، وإنما حكى الشافعي مذهب غيره ، وهذا هو المذهب ، والدليل عليه إطلاق السفر في القرآن .

                                      قال الشافعي رحمه الله : ولم تحده الصحابة رضي الله عنهم بشيء ، وحدوا سفر القصر ، ولما روى الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع : أن ابن عمر رضي الله عنهما " أقبل من الجرف حتى كان بالمربد تيمم وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة " هذا إسناد صحيح ، والجرف : بضم الجيم والراء وبعدهما فاء ، موضع بينه وبين المدينة ثلاثة أميال ، والمربد : بكسر الميم ، موضع بقرب المدينة .

                                      ( المسألة الثالثة ) العاصي بسفره كالآبق وقاطع الطريق وشبههما إذا عدم الماء في سفره ثلاثة أوجه . والصحيح : أنه يلزمه أن يصلي بالتيمم ويلزمه الإعادة ، والثاني : يلزمه التيمم ولا تجب الإعادة ، والثالث : لا يجوز التيمم ، وهذا الثالث غريب حكاه الحناطي وصاحب البيان والرافعي ، فعلى هذا يقال له : ما دمت على قصدك المعصية لا يحل لك التيمم ، ، فإن ثبت استبحت التيمم وغيره ، كما أنه لا يحل له الميتة عند الضرورة ، بل يقال : تب وكل ، والصواب الأول ; لأنه يلزمه أمران : التوبة والصلاة ، فإذا أخل بأحدهما لا يباح له الإخلال بالآخر ، وليس التيمم في هذا الحال تخفيفا بل عزيمة ، فلا تكون المعصية سببا لإسقاطه ، فعلى هذا لو رأى الماء في صلاته بطلت ويلزمه الخروج منها ، كما إذا رأى الماء في أثناء صلاة الحضر بالتيمم ، وقد تقدم ذكر هذه الأوجه في باب المسح على الخف ، وذكرنا هناك ضابطا فيما يستبيحه العاصي بسفره وما لا يستبيحه ، وبالله التوفيق .

                                      ( فرع ) إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام فأكثر في بلد وعدم الماء فيه وصلى بالتيمم ، فحكمه حكم الحاضر بلا خلاف ، فيلزمه إعادة ما صلى بالتيمم [ ص: 352 ] على المذهب . ولو نوى هذه الإقامة في موضع من البادية يعم فيه عدم الماء فلا إعادة فيه بلا خلاف ، هكذا صرح بالصورتين صاحب الحاوي وإمام الحرمين ، ونقله الروياني عن القفال ، وقاله آخرون ولا نعلم فيه خلافا . ولو دخل المسافر في طريقه قرية فعدم الماء فيها وصلى بالتيمم فوجهان ، حكاهما المتولي والروياني وآخرون .

                                      ( أحدهما ) : لا إعادة ; لأنه مسافر ولهذا يباح له القصر والفطر ، ( وأصحهما ) : وجوب الإعادة ، صححه الروياني والرافعي ، وهو قول القفال ، وقطع به البغوي وغيره ; لأن عدم الماء في القرية نادر ، فالضابط الأصلي ما قاله الرافعي ، وأشار إليه إمام الحرمين وصاحب الشامل وآخرون : أن الإعادة تجب إذا تيمم في موضع يندر فيه عدم الماء ، ولا يجب إذا كان العدم يغلب فيه ، بدليل ما ذكرنا من هاتين الصورتين . قال الرافعي : اعلم أن وجوب الإعادة على المقيم ليس لعلة الإقامة ، بل لأن فقد الماء في موضع الإقامة نادر . وكذا عدم الإعادة في السفر ليس لكونه مسافرا ، بل لأن فقد الماء في السفر مما يعم حتى لو أقام في مفازة أو موضع يعدم فيه الماء غالبا وطالت إقامته وصلى بالتيمم فلا إعادة ، وفي مثله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه وكان يقيم بالربذة ويفقد الماء أياما : { التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج } قال : ولو دخل المسافر في طريقه قرية وعدم الماء ، تيمم وأعاد على الأصح ، وإن كان حكم السفر باقيا عليه لندور العدم . وإذا عرفت هذا علمت أن قول الأصحاب أن المقيم يقضي والمسافر لا يقضي جار على الغالب في حال السفر والإقامة ، وإلا فالحقيقة ما بيناه .

                                      هذا كلام الرافعي وذكر معناه إمام الحرمين وصاحب الشامل وآخرون والله أعلم .

                                      ( فرع ) قال صاحب البيان : قال الشيخ أبو حامد : إذا خرج الرجل إلى ضيعته وبستانه فعدم الماء كان له أن يتيمم ويتنفل على الراحلة ، قال : فمقتضى قوله : أنه سفر قصير ففي إعادة ما صلى فيه بالتيمم القولان : المشهور ، ونص البويطي والله أعلم .

                                      ( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن عدم الماء في الحضر . [ ص: 353 ] قد ذكرنا : أن مذهبنا المشهور أنه يصلي بالتيمم وعليه الإعادة ، وبه قال جمهور العلماء ، وهو رواية عن أبي حنيفة وعنه رواية أنه لا يصلي بالتيمم . وعن مالك والثوري والأوزاعي والمزني والطحاوي : يصلي بالتيمم ولا يعيد ، وهو رواية عن أحمد وقول لنا كما سبق . واحتج لمن لم يوجب الصلاة وقوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا } فأباحه للمريض وللمسافر ، فلم يجز لغيرهما ، وبأن إيجابها مع إيجاب الإعادة يؤدي إلى إيجاب ظهرين عن يوم ; ولأن الصلاة تفعل لتجزئ ، وهذه غير مجزئة ، واحتج لمن أوجب الصلاة بلا إعادة بالقياس على المسافر . واحتج أصحابنا لوجوب الصلاة وقوله تعالى : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } إلى قوله : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } وهذا عام . وفي الاستدلال بالآية نظر ; ولأنه مكلف عدم الماء فلزمه التيمم للفريضة كالمسافر ; ولأنه عاجز عن استعمال الماء فلزمه التيمم كالمريض وقياسا على صلاة الجنازة .

                                      وقد وافقوا عليها وأجاب أصحابنا عن احتجاجهم بالآية بجوابين .

                                      ( أحدهما ) : أن السفر ذكر فيها لكونه الغالب لا للاشتراط ، كقوله تعالى : { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } ( والثاني ) : أنها محمولة على تيمم لا إعادة معه ، وعن قولهم يؤدي إلى إيجاب ظهرين أن المقصود الثانية ، وإنما وجبت الأولى لحرمة الوقت ، كإمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان ، وفي هذا جواب عن قولهم : الصلاة تفعل لتجزئ فيقال : وقد تفعل حرمة للوقت كما ذكرنا ، واحتج أصحابنا للإعادة بأنه عذر نادر غير متصل ، فأشبه من نسي بعض أعضاء الطهارة ، وفي هذا جواب عن احتجاجهم ، والله أعلم .



                                      ( فرع ) في مذاهب العلماء فيمن صلى بالتيمم في السفر ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة قد ذكرنا : أن مذهبنا أنه لا إعادة سواء وجد الماء في الوقت أو بعده ، حتى لو وجده عقب السلام فلا إعادة ، وبه قال الشعبي والنخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق والمزني وابن المنذر وجمهور السلف والخلف .

                                      وحكى [ ص: 354 ] ابن المنذر وغيره عن طاوس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري وربيعة أنهم قالوا : إذا وجد الماء في الوقت لزمه الإعادة ، واستحبه الأوزاعي ولم يوجبه ، قال ابن المنذر : وأجمعوا أنه إذا وجده بعد الوقت لا إعادة ، واحتج لهؤلاء بأن الماء هو الأصل فوجوده بعد التيمم كوجود النص بعد الحكم بالاجتهاد . واحتج أصحابنا بحديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : { خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا وصليا ، ثم وجد الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ، ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له ، فقال للذي لم يعد : أصبت السنة وأجزأتك صلاتك ، وقال للذي توضأ وأعاد : لك الأجر مرتين } رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم .

                                      قال أبو داود : ذكر أبي سعيد في هذا الحديث وهم وليس بمحفوظ ، بل هو مرسل قلت : ومثل هذا المرسل يحتج به الشافعي وغيره كما قدمنا بيانه في مقدمة هذا الكتاب أن الشافعي يحتج بمرسل كبار التابعين إذا أسند من جهة أخرى أو يرسل من جهة أخرى ، أو يقول به بعض الصحابة أو عوام العلماء ، وقد وجد في هذا الحديث شيئان من ذلك ( أحدهما ) : ما قدمناه قريبا ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( أنه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمربد تيمم وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة ) ، وهذا صحيح عن ابن عمر كما سبق ، ( الثاني ) : روى البيهقي بإسناده عن أبي الزناد قال : " كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب ، وذكر تمام فقهاء المدينة السبعة ، يقولون : من تيمم وصلى ثم وجد الماء وهو في الوقت أو بعده لا إعادة عليه ، " واحتج أصحابنا أيضا بالقياس على المريض يصلي بالتيمم أو قاعدا ، والجواب عن احتجاجهم : أن ما ذكروه ليس نظير مسألتنا ، بل نظيره من صلى بالتيمم ومعه ماء نسيه ، ونظير مسألتنا ما عمله الصحابي باجتهاد ثم نزل النص بإثبات الحكم بخلاف اجتهاده ، فإنه لا يبطل ما عمله والله أعلم




                                      الخدمات العلمية