الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 172 ] باب الفدية وهي على ثلاثة أضرب ، أحدها : ما هو على التخيير ، وهو نوعان : أحدهما : يخير بين صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين مد بر ، أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة ، وهي فدية حلق الرأس ، وتقليم الأظافر ، وتغطية الرأس واللبس والطيب وعنه : يجب الدم إلا أن يفعله لعذر فيخير . الثاني : جزاء الصيد يخير فيه بين المثل أو يقومه بدراهم ، فيشتري بها طعاما فيطعم كل مسكين مدا ، أو يصوم عن كل مد يوما ، وإن كان مما لا مثل له ، خير بين الإطعام والصيام وعنه : إن جزاء الصيد على الترتيب ، فيجب المثل ، فإن لم يجده لزمه الإطعام ، فإن لم يجده صام .

التالي السابق


باب الفدية قال : الجوهري فداه ، وفاداه : إذا أعطى فداءه ، وفداه بنفسه ، وفداه : إذا قال : له : جعلت فداك . انتهى .

وهي ما تجب بسبب نسك أو حرم ، ( وهي على ثلاثة أضرب ) منها ما ورد النص بالتخيير فيه ، ومنها ما ورد بالترتيب ، ومنها ما لم يرد فيه تخيير ، ولا ترتيب كفدية الفوات ( أحدها ما هو على التخيير ، وهو نوعان ) ; لأنه تارة يكون فدية الأذى ونحوه ، وتارة جزاء صيد فأشار إلى الأول بقوله :

( أحدهما : يخير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة ) لقوله - تعالى - فمن كان منكم مريضا الآية [ البقرة : 184 ] ولحديث كعب السابق ، وفي لفظ إحلق رأسك ، وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة . متفق عليه . فقد دلا على وجوب الفدية على صفة التخيير من الصيام ، والصدقة ، والذبح في حلق الرأس ; لأن " أو " للتخيير ، وليس في الآية ذكر الحلق ; لأنه محذوف ، وتقديره فحلق ففدية كقوله - تعالى - فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ البقرة : 184 ] أي : فأفطر ( وهي فدية حلق الرأس ) المنصوص عليه ، وقسنا الباقي عليه ، ( و ) هو ( تقليم الأظافر ، وتغطية الرأس ، واللبس والطيب ) لاستواء الكل في كونه حرم في الإحرام لأجل الترفه ، فالصوم ثلاثة أيام عند أحمد وأصحابه ، واختار الآجري يصوم ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة [ ص: 173 ] إذا رجع ، وما ذكره من الإطعام ورد في بعض الألفاظ ، وهو أشهر ; لأنه أنفع من غيره ككفارة اليمين ، وعنه : نصف صاع كغيره ; لأنه ليس بمنصوص عليه فيعتبر بالتمر والزبيب المنصوص كالشعير . وظاهره أن غير المعذور مثله في التخيير في ظاهر المذهب ; لأنه تبع للمعذور ، والتبع لا يخالف أصله ; ولأن كل كفارة ثبت التخيير فيها مع العذر ثبت مع عدمه كجزاء الصيد . والشرط لجواز الحلق لا التخيير ، ( وعنه : يجب الدم ) عينا ، فإن عدمه ، أطعم ، فإن تعذر صام ( إلا أن يفعله لعذر فيخير ) جزم به القاضي وأصحابه في كتب الخلاف ; لأنه دم يتعلق بمحظور يختص الإحرام كدم يجب بترك رمي ، ومجاوزة ميقات .

( الثاني جزاء الصيد يخير فيه ) ، نص عليه ، وقاله الأصحاب لقوله - تعالى - ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما [ المائدة : 95 ] فعطف هذه الخصال بعضها على بعض بـ " أو " المقتضية للتخيير كفدية الأذى واليمين ، بخلاف كفارة القتل ، وهدي المتعة ؛ لأنها كفارة إتلاف منع منه للإحرام أو فيها أجناس كالحلق ، ولأن الله ذكر الطعام فيها للمساكين فكان من خصالها كغيرها فعلى هذا يخير فيه ( بين المثل ) وسيأتي فإن اختاره ذبحه ، وتصدق به على المساكين ، وله ذبحه متى شاء ، ولا يتصدق به حيا ( أو يقومه ) أي : المثل ( بدراهم فيشتري بها طعاما ) نص عليه ، وقاله الأصحاب ; لأن كل متلف وجب مثله إذا قوم ، وجب قيمة مثله كالمثلي في مال الآدمي ، فعلى هذا يقوم بالموضع الذي أتلفه فيه وبقربه ، جزم به القاضي وغيره ، وجزم آخرون يقوم بالحرم ; لأنه محل ذبحه ، وعنه : يقوم مكان إتلافه أو بقربه [ ص: 174 ] لا المثل عما لا مثل له ، والفرق واضح ، وعنه : يجوز له الصدقة بالدراهم ، ولا يتعين أن يشتري بها طعاما ، والقيمة ليست مما خير الله فيه ، والطعام المخرج هو الذي يخرج في فدية الأذى والفطرة والكفارة ، وقيل : يجزئ كل ما يسمى طعاما ، وجزم به في " الخلاف " وذكره في " المغني " و " الشرح " احتمالا لإطلاق لفظه ( فيطعم كل مسكين مدا ) أي : من البر ، ومن غيره مدان ، نص عليه ، والمؤلف أطلق العبارة كالخرقي ( أو يصوم عن كل مد يوما ) ذكره الخرقي ، وحكاه في " المغني " رواية ؛ لأنها كفارة دخلها الصوم والإطعام مكان اليوم في مقابلة المد ، ككفارة الظهار ، وعنه : يصوم عن كل نصف صاع يوما ، وحمل القاضي الأولى على الحنطة ، والثانية على التمر والشعير ، إذ الصيام مقابل الإطعام في كفارة الظهار وغيرها فكذا هنا .

وبالجملة فيعتبر كل مذهب على أصله فعندنا من البر مد ، ومن غيره مدان .

فرع : إذا بقي من الطعام ما لا يعدل يوما ، صام يوما ، نص عليه ؛ لأنه لا يتبعض ، ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء ، ويطعم عن بعضه ، كبقية الكفارات ، ( وإن كان مما لا مثل له خير بين الإطعام والصيام ) ; لأن النص بالتخيير بين الثلاثة فإذا عدم أحدها ، بقي التخيير بين التاليين ، فإذا اختار الإطعام يوم الصيد ؛ لأنه مثل فلزمته قيمته كمال الآدمي فيشتري بها طعاما فيطعمه المساكين ، وإذا اختار الصيام ، فعلى ما سبق . وظاهره أنه لا يجوز إخراج القيمة في ظاهر نقل حنبل ، وروي عن ابن عباس كالذي له مثل ، وقيل : بلى ، روي عن عمر وعطاء ( وعنه : أن جزاء الصيد على الترتيب ) نقلها [ ص: 175 ] محمد بن عبد الحكم ، وروي عن ابن عباس ، وابن سيرين ، والثوري كالمتعة ، وهذا أولى منها ; لأنه يجب بفعل محظور ( فيجب المثل فإن لم يجده لزمه الإطعام فإن لم يجده صام ) كما ذكرنا ، والصحيح الأول ; لأن ذلك الترتيب قياس مع وجود النص ، ونقل الأثرم : لا إطعام فيها ، وإنما ذكره في الآية ليعدل به الصيام ; لأن من قدر على الإطعام ، قدر على الذبح ، وكذا قاله ابن عباس .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث