الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

ومما حرمه النص نكاح المزوجات وهن المحصنات ، واستثنى من ذلك ملك اليمين ، فأشكل هذا الاستثناء على كثير من الناس ، فإن الأمة المزوجة يحرم وطؤها على مالكها ، فأين محل الاستثناء ؟ .

فقالت طائفة : هو منقطع ، أي لكن ما ملكت أيمانكم ، ورد هذا لفظا ومعنى ، أما اللفظ فإن الانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ ، وبابه غير الإيجاب من النفي والنهي والاستفهام ، فليس الموضع موضع انقطاع ، وأما المعنى : فإن المنقطع لا بد فيه من رابط بينه وبين المستثنى منه بحيث يخرج ما توهم دخوله فيه بوجه ما ، فإنك إذا قلت : ما بالدار من أحد ، دل على انتفاء من بها بدوابهم وأمتعتهم ، فإذا قلت : إلا حمارا أو إلا الأثافي ، ونحو ذلك ، أزلت توهم دخول المستثنى في حكم المستثنى منه . وأبين من هذا قوله تعالى : ( لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ) [ مريم : 62 ] فاستثناء السلام أزال توهم نفي السماع العام ، فإن عدم سماع اللغو يجوز أن يكون لعدم سماع كلام ما ، وأن يكون مع سماع غيره ، وليس في تحريم نكاح المزوجة ما يوهم تحريم وطء الإماء بملك اليمين حتى يخرجه .

وقالت طائفة : بل الاستثناء على بابه ، ومتى ملك الرجل الأمة المزوجة كان ملكه طلاقا لها ، وحل له وطؤها ، وهي مسألة بيع الأمة : هل يكون طلاقا لها أم لا ؟ فيه مذهبان للصحابة : فابن عباس رضي الله عنه يراه طلاقا ويحتج له بالآية ، وغيره يأبى ذلك ويقول : كما يجامع الملك السابق للنكاح اللاحق اتفاقا ولا يتنافيان ، كذلك الملك اللاحق لا ينافي النكاح السابق ، قالوا : وقد خير [ ص: 119 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة لما بيعت ولو انفسخ نكاحها لم يخيرها . قالوا : وهذا حجة على ابن عباس رضي الله عنه ، فإنه هو راوي الحديث والأخذ برواية الصحابي لا برأيه .

وقالت طائفة ثالثة : إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح لأنها لم تملك الاستمتاع ببضع الزوجة ، وإن كان رجلا انفسخ لأنه يملك الاستمتاع به ، وملك اليمين أقوى من ملك النكاح ، وهذا الملك يبطل النكاح دون العكس ، قالوا : وعلى هذا فلا إشكال في حديث بريرة .

وأجاب الأولون عن هذا بأن المرأة وإن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها وأخذ مهرها ، وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع بالبضع .

وقالت فرقة أخرى : الآية خاصة بالمسبيات ، فإن المسبية إذا سبيت حل وطؤها لسابيها بعد الاستبراء وإن كانت مزوجة ، وهذا قول الشافعي وأحد الوجهين لأصحاب أحمد ، وهو الصحيح كما روى مسلم في " صحيحه " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم ، وأصابوا سبايا ، وكأن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله عز وجل في ذلك : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) ) [ النساء : 24 ] [ ص: 120 ] أي : فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن .

فتضمن هذا الحكم إباحة وطء المسبية وإن كان لها زوج من الكفار ، وهذا يدل على انفساخ نكاحه وزوال عصمة بضع امرأته ، وهذا هو الصواب ، لأنه قد استولى على محل حقه وعلى رقبة زوجته وصار سابيها أحق بها منه ، فكيف يحرم بضعها عليه ، فهذا القول لا يعارضه نص ولا قياس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث