الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          وقد بين الله تعالى ما يعامل به الذين يكذبون بآياته، ويعادون أولياءه، ويعاندون الحق، فقال: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون

                                                          كان ما قصه - سبحانه - من قصص لنوح وهود وصالح وشعيب وموسى وما كان من قومه ومعاناته في سبيل هدايتهم وبث الإيمان في قلوبهم - تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبيان ما يلقاه أولو العزم من الرسل من عند الكافرين والضالين.

                                                          ومن بعد ذلك أخذ - سبحانه وتعالى - يبين حال المشركين الذي يدعوهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال سبحانه: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون

                                                          [ ص: 3017 ] والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم هذا حكم عام بالنسبة للمكذبين بالآيات، لا يأخذهم سبحانه بمجرد تكذيبهم، بل يمهلهم ويغدق عليهم الرزق حتى إذا تمادوا في شرهم، ولم تهدهم النعمة ولم يحسوا بشكرها أخذهم الله تعالى من حيث لا يحتسبون، فهو يختبرهم بالآيات فيها العبر، ثم يختبرهم بالنعم.

                                                          ومعنى (سنستدرجهم) نأخذهم درجة بعد درجة نازلين إلى الهاوية من حيث لا يشعرون، من مكان لا يشعرون فيه أنهم كلما أنعم عليهم بنعمة وكفروها يسيرون إلى الهاوية وهم لا يشعرون، إن الله يختبر المكذبين لآياته الكونية وما تدل عليه، والمكذبين لمعجزات النبوة كالقرآن وسائر آياته لأنبيائه، يختبرهم بالنعيم أحيانا يذوقونه ثم يحرمون منه.

                                                          ولقد قال تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين

                                                          وإن ما يكون عليه الكافرون من ملاذ وزخارف لا يصح أن يكون علامة الرضا، بل هو في أكثر الأحوال علامة السخط، وقد قال تعالى: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين وإن ذلك من إملاء الله تعالى؛ ليزدادوا ضلالا وفتنة، ولقد أكد الله تعالى ذلك فقال:

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية