الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه

( الفرق الخامس والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه )

إن ادعى من مسافة العدوى فما دونها وجبت الإجابة لأنه لا تتم مصالح الأحكام ، وإنصاف [ ص: 79 ] المظلومين من الظالمين إلا بذلك ، ومن أبعد من المسافة لا تجب الإجابة ، وإن لم يكن له عليه حق لم تجب الإجابة أو له عليه حق ، ولكن لا يتوقف على الحاكم لا تجب الإجابة فإن كان قادرا على أدائه لزمه أداؤه ، ولا يذهب إليه ، ومتى علم خصمه إعساره حرم عليه طلبه ، ودعواه إلى الحاكم ، وإن دعاه ، وعلم أنه يحكم عليه بجور لم تجب الإجابة ، وتحرم في الدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية ، وإن كان الحق موقوفا على الحاكم كأجل العنين يخير الزوج بين الطلاق فلا تجب الإجابة وبين الإجابة ، وليس له الامتناع منها ، وكذلك القسمة المتوقفة على الحاكم يخير بين تمليك حصته لغريمه وبين الإجابة ، وليس له الامتناع منها ، وكذلك الفسوخ الموقوفة على الحاكم ، وإن دعاه إلى حق مختلف في ثبوته ، وخصمه يعتقد ثبوته وجبت عليه لأنها دعوى حق أو يعتقد عدم ثبوته لا تجب لأنه مبطل ، وإن دعاه الحاكم وجب لأن المحل قابل للحكم والتصرف والاجتهاد ، ومتى طولب بحق وجب عليه على الفور كرد المغصوب ، ولا يحل له أن يقول لا أدفعه إلا بالحكم لأن المطل ظلم ووقوف الناس عند الحاكم صعب ، وأما النفقات فيجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها إن كانت للأقارب ، وإن كانت للزوجة أو للرقيق يخير بين إبانة الزوجة وعتق الرقيق وبين الإجابة .

[ ص: 79 ]

التالي السابق


[ ص: 79 ] حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق السابع والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دعاه إليه وبين قاعدة ما لا تجب إجابته فيه )

اعلم أن دعوى المدعي التي يذكرها للحاكم ويوجهها على المطلوب ثلاثة أقسام :

( القسم الأول ) أن تكون مجردة عما يظهر به صحتها مما مر ، وعن دليل وشبهة ، واختلف في هذا القسم هل يجب به الإجابة على من كان على مسافة العدوى فما دونها لأعلى من فوقها ، وهو ما نقل عن الشافعي وأبي حنيفة ، وعن أحمد في رواية ، ولا تجب مطلقا ، وهو ما ذهب إليه جماعة من أصحابنا ، ونقل عن أحمد أيضا في رواية أخرى ، وفي الحطاب على المختصر نقلا عن المسائل الملقوطة ، وهذا أولى لأن الدعوى قد لا تتوجه فيبعث إليه من مسافة العدوى ، ويحضره لما لا يجب فيه شيء ، ويفوت عليه كثير من مصالحه ، وربما كان حضور بعض الناس ، والدعوى عليه بمجلس الحكام مزرية فيقصد من له غرض فاسد أذى من يريد بذلك من التبصرة ا هـ .

( القسم الثاني ) أن تكون مع ما تظهر به صحتها مما مر دون أن يأتي بدليل وشبهة ، وفي هذا القسم قال الأصل إن دعا من مسافة العدوى فما دون وجبت الإجابة لأنه لا تتم مصالح الأحكام وإنصاف المظلومين من الظالمين إلا بذلك ، ومن أبعد من المسافة لا تجب الإجابة ا هـ .

وقال ابن الحاجب ، ويجلب الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول إذا لم يزد على مسافة العدوى فإن زاد لم يجلبه ا هـ وقال خليل وجلب الخصم بخاتم أو رسول إن كان على مسافة العدوى لا بأكثر كستين ميلا ا هـ يعني أن الخصم إذا كان حاضرا في البلد يرفع بالإرسال إليه لا بالخاتم على ما به العمل كما في اليزناسي ، وظاهره وظاهر قول ابن أبي زمنين أنه يرفع ، وإن لم يأت بشبهة ابن عرفة ، وبه العمل ، وإذا كان على مسافة العدوى يرفع بكتابة كتاب إليه أن احضر مجلس الحكم ويطيع ويدفع للطالب الآتي بالدعوى المذكورة كما في تسولي العاصمية قال ومسافة العدوى ثمانية وأربعون ميلا فهي مسافة القصر كما في التبصرة الجوهري العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم منه يقال استعديت على فلان الأمير فأعداني أي استعنت به فأعانني عليه ا هـ .

( القسم الثالث ) أن تكون مع ما تظهر به صحتها مما مر ، ومع الإتيان بدليل وشبهة أي لطخ كجرح أو شاهد أو أثر ضرب ، ونحو ذلك ، وفي هذا القسم قال ابن الحاجب فإن زاد أي على مسافة العدوى لم يجلبه ما لم يشهد شاهد فيكتب إليه إما أن يحضر أو يرضى أي خصمه ا هـ يعني أنه تجب فيه على المطلوب ، ولو كان على ما يزيد على مسافة العدوى إما الإجابة أو إرضاء خصمه لكن محل ذلك إذا كان المطلوب الذي على ما يزيد على مسافة العدوى من محل ولاية الحاكم أما إن كان من غير محل ولايته فعلى قول ابن عاصم :

، والحكم في المشهور حيث المدعى عليه في الأصول والمال معا     وحيث يلفيه بما في الذمه
يطلبه وحيث أصل ثمه

[ ص: 133 ] وحاصله أن المدعى عليه إذا لم يخرج من بلده فليست الدعوى إلا هنالك كان المتنازع فيه هناك أم لا ، وإن خرج من بلده فإما أن يلقاه في محل الأصل المتنازع فيه أو يكون المال المعين معه أو لا فيجيبه لمخاصمته هناك في الأول دون الثاني ، وأما ما في الذمة فيخاصمه حيث ما لقيه كما في شرح التسولي .

( تنبيه ) قال الأصل ، وسلمه ابن الشاط والحطاب متى طولب الشخص بحق وجب عليه على الفور كرد المغصوب ، ولا يحل له أن يقول لا يدفعه إلا بالحاكم لأن المطل ظلم ، ووقوف الناس عند الحاكم صعب ، نعم إذا كان الحق نفقة للأقارب ، وجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها فإن كانت النفقة للزوجة أو للرقيق خير بين إبانة الزوجة وعتق الرقيق وبين الإجابة كما يخبر في كل حق موقوف على الحاكم أي أو يمكن فيه التخيير كأجل العنين يخير الزوج بين الطلاق فلا تجب الإجابة وبين الإجابة فليس له الامتناع منها ، وكالقسمة المتوقفة على الحاكم يخبر بين تمليك حصته لغريمه وبين الإجابة فليس له الامتناع منها وكالفسوخ المتوقفة على الحاكم أما إن كان الحق لا يتوقف على الحاكم فلا تجب الإجابة بل إن كان قادرا على أدائه لزمه أداء ، ولا يذهب إليه ، ومتى علم خصمه إعساره حرم عليه طلبه ، ودعواه إلى الحاكم فإن دعاه ، وعلم أنه يحكم عليه بحوز لم تجب الإجابة ، وتحرم في الدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية . هذا إذا كان الحق متفقا على ثبوته أما إن دعاه إلى حق مختلف في ثبوته فإن كان خصمه يعتقد ثبوته وجبت الإجابة عليه لأنها دعوى حق ، وإن كان يعتقد عدم ثبوته لم تجب لأنه مبطل نعم إن دعاه الحاكم وجب لأن المحل قابل للحكم والتصرف والاجتهاد ، وإن لم يكن له عليه حق لم تجب الإجابة ا هـ بتصرف قال التسولي على العاصمية ومحل هذا التفصيل والله أعلم إذا كان هناك من يعينه على الحق ، ويتثبت في أمره ، وأما إذا فقد ذلك كما في زماننا اليوم فتجب الإجابة في الجميع لئلا يقع فيما هو أعظم ا هـ . والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث