الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في السجدة في ص

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في السجدة في ص

577 حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في ص قال ابن عباس وليست من عزائم السجود قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح واختلف أهل العلم في ذلك فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن يسجد فيها وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق وقال بعضهم إنها توبة نبي ولم يروا السجود فيها

التالي السابق


قوله : ( عن أيوب ) هو السختياني .

[ ص: 143 ] قوله : ( رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسجد في ( ص ) ، هذا دليل صريح على ثبوت السجدة في ( ص ) ( قال ابن عباس : وليست من عزائم السجود ) ، المراد بالعزائم ما وردت العزيمة على فعله ، كصيغة الأمر مثلا ، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب . وقد روى ابن المنذر وغيره عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن أن العزائم " حم " ، و " النجم " ، و " اقرأ " ، و " الم تنزيل " ، وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر ، وقيل : " الأعراف " ، و " سبحان " ، و " حم " ، و " الم " . أخرجه ابن أبي شيبة ، كذا في فتح الباري .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) ، وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي .

قوله : ( فرأى بعض أهل العلم أن يسجد فيها وهو قول سفيان وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ) وهو قول أبي حنيفة -رحمه الله- وقد عد الترمذي الشافعي من القائلين بسجود التلاوة في صلاته ، وقوله المشهور أنه لا يسجد فيها في الصلاة ويسجد خارج الصلاة ، قال : السجدة فيها ليست سجدة تلاوة ، بل سجدة شكر وسجود الشاكر لا يشرع في الصلاة .

قال العيني في شرح البخاري : لا خلاف بين الحنفية والشافعية في أن صلاته فيها سجدة تفعل ، وهو أيضا مذهب سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق ، غير أن الخلاف في كونها من العزائم أم لا ، فعند الشافعي ليست من العزائم وإنما هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة وتحرم فيها على الصحيح ، وهذا هو المنصوص عنده ، وبه قطع جمهور الشافعية ، وعند أبي حنيفة وأصحابه هي من العزائم ، وبه قال ابن شريح وأبو إسحاق المروزي ، وهو قول مالك أيضا . وعن أحمد كالمذهبين ، والمشهور منهما كقول الشافعي ( وقال بعضهم : إنها توبة نبي ولم يرو السجود فيها ) ، قال العيني : قال داود : عن ابن مسعود : لا سجود فيها ، وقال : هي توبة نبي . وروي مثله عن عطاء وعلقمة . قال : واحتج الشافعي ومن معه بحديث ابن عباس هذا يعني المذكور في الباب ، [ ص: 144 ] ولابن عباس حديث آخر في سجوده في صلاته أخرجه النسائي من رواية عمر بن أبي ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد في صلاته فقال : سجدها داود -عليه السلام- توبة ونسجدها شكرا .

وله حديث آخر أخرجه البخاري والنسائي أيضا في الكبرى في التفسير ولفظه : رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يسجد في " ص " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قال العيني : هذا كله حجة لنا ، والعمل بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى من العمل بقول ابن عباس ، وكونها توبة لا ينافي كونها عزيمة ، وسجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا لما أنعم الله على داود -عليه السلام- بالغفران والوعد بالزلفى وحسن مآب ، ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله : وأناب بل عقيب قوله : وحسن مآب وهذه نعمة عظيمة في حقنا فكانت سجدة تلاوة ؛ لأن سجدة التلاوة ما كان سبب وجوبها إلا التلاوة ، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود -عليه السلام- وإطماعنا في نيل مثله ، انتهى كلام العيني .

قلت : لا منافاة بين العمل بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين العمل بقول ابن عباس -رضي الله عنه- ، فالأولى بل المتعين أن يسجد في " ص " اتباعا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة وخارج الصلاة ، ويرى أن هذه السجدة ليست من عزائم السجود كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- ، وقول ابن عباس هذا مقدم على قول أبي حنيفة ومن تبعه أنها من عزائم السجود . هذا ما عندي ، والله تعالى أعلم .

وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة ، أما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود قال : قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر " ص " فلما بلغ السجدة نزل فسجد . وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سجد في " ص " ورواه الدارقطني أيضا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث