الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                          فصل الضرب الثالث : الدماء الواجبة للفوات ، أو لترك واجب ، أو المباشرة في غير الفرج ، فما أوجب منه بدنة ، فحكمها حكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج وما عداه ، فقال القاضي : ما وجب لترك واجب ملحق بدم المتعة ، وما وجب للمباشرة ملحق بفدية الأذى ، ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج ، فعليه بدنة ، وإن لم ينزل ، فعليه شاة ، وعنه : بدنة ، وإن كرر النظر ، فأنزل ، أو استمنى ، فعليه دم ، وهل هو بدنة أو شاة ؛ على روايتين وإن فدى بذلك فعليه شاة ، وإن فكر فأنزل فلا فدية عليه .

                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                          فصل ( الضرب الثالث : الدماء الواجبة للفوات ) أي فوات الحج ، وتجب به بدنة في الأصح ( أو لترك واجب ) كالإحرام من الميقات ، والوقوف بعرفة إلى الليل ، ونحوها ( أو المباشرة في غير الفرج ) كما يأتي .

                                                                                                                          والحاصل أن الهدي الواجب بغير النذر ينقسم قسمين ، منصوص عليه ، وهو فدية الأذى ، وجزاء الصيد ، ودم الإحصار ، والمتعة ، والبدنة الواجبة بالوطء في الفرج لقضاء الصحابة ، وما سوى ذلك مقيس فأشار المؤلف إلى ذلك فقال : فما أوجب منه كالبدنة الواجبة بالمباشرة فيما دون الفرج فحكمها حكم البدنة الواجبة بالوطء في الفرج أي هي مقيسة عليها ; لأنها وجبت بسبب في إحرامه ، أشبهت البدنة الواجبة بالوطء ، فعلى هذا يجب فإن لم يجدها ، انتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، وعلى قول القاضي يجب البدنة ، ثم بقرة ، ثم سبع من الغنم ، ثم قيمة البدنة طعاما ، ثم يصوم عن [ ص: 182 ] كل مد يوما ، وعلى قول الخرقي يخير فيها ، ( وما عداه فقال القاضي : ما وجب لترك واجب ) كالمبيت بمنى ، ومزدلفة ، وطواف الوداع ( ملحق بدم المتعة ) ; لأن دم المتعة وجب لترفهه بأحد السفرين فيقاس عليه كل دم واجب لترك واجب ( وما وجب للمباشرة ) كالقبلة ، واللمس ، والوطء من العمرة ، وفى الحج بعد رمي جمرة العقبة ( ملحق بفدية الأذى ) ; لأنه في معناه فيقاس عليه ، وأما الشاة الواجبة فيخير فيها كما يخير في فدية الأذى للترفه ، ( ومتى أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليه بدنة ) وقد تقدم ، ( وإن لم ينزل فعليه شاة ) جزم به في الخرقي ، والوجيز ، واختاره جمع منهم المؤلف ; لأنه هتك إحرامه بالفعل المذكور كالطيب ، ( وعنه : بدنة ) نصره القاضي وأصحابه كالوطء ، والأول أصح ، وسواء مذى أو لم يمذ ، واللمس لشهوة كالقبلة فيما ذكرنا لكونه استمتاعا يلتذ به .

                                                                                                                          ( وإن كرر النظر فأنزل ) أي : أمنى ( أو استمنى فعليه دم ) ; لأنه هتك إحرامه بذلك ، أشبه ما لو أنزل بالمباشرة ، ( وهل هو بدنة ) قدمه في " المحرر " ونص عليه ، فيما إذا أمنى بتكرار النظر ، واختاره الخرقي ، ونصره القاضي وأصحابه ; لأنه من دواعي الجماع كالقبلة ، ( أو شاة ) جزم به في " الوجيز " ; لأنه إنزال بفعل محظور فوجبت كالإنزال باللمس ( على روايتين ) هما قولان لابن عباس ، ( وإن مذى بذلك ) أي : بتكرار النظر أو الاستمناء ( فعليه شاة ) ذكره أبو الخطاب ، وجزم به في " الشرح " والمحرر ، وقدمه في " الفروع " ; لأنه جزء من المني لكونه خارجا بسبب الشهوة ، ولأنه حصل به لذة فهو كاللمس ، وفي " الروضة " و " المستوعب " أو مذى بنظرة فكذلك . وظاهر كلام [ ص: 183 ] الأكثر خلافه ، وفي " الكافي " : لا فدية بمذي بتكرار نظر ، وجزم به في " الوجيز " قال في " الفروع " : فيتوجه منه تخريج ، ولا هدي بغيره ، وجزم به الآدمي إن مذى باستمتاعه ، وذكر القاضي رواية : يفدي بمجرد النظر أنزل أو لا ، ومراده : إن كرره ، وأخذها من نقل الأثرم فيمن جرد امرأته ، ولم يكن منه غير التجريد : عليه شاة ، وحمله في " المغني " و " الشرح " على أنه لمس ، فإن التجريد لا يخلو عن لمس ظاهر أو أنه أمنى أو أمذى إذ مجرده لا شيء فيه ; لأنه - عليه السلام - كان ينظر إلى نسائه ، وهو محرم ، وكذلك أصحابه ، ( وإن فكر فأنزل فلا فدية عليه ) لقوله - عليه السلام - : إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به . متفق عليه . ولأنه يعرض للمرء من غير إرادة ولا اختيار ; لأنه دون النظر ، وقال أبو حفص البرمكي ، وابن عقيل : حكمه حكم تكرار النظر إذا اقترن به الإنزال لقدرته ، وفيه شيء .

                                                                                                                          تنبيه : لم يتعرض المؤلف هنا لذكر النسيان ، وذكره في مفسدات الصوم ، والمذهب لا فرق بين العامد ، والناسي ، وقيل : لا ; لأن الوطء لا يتطرق إليه نسيان غالبا ، ويفسد العبادة أي : الصوم بمجرده ، والجاهل والمكره كالناسي ، والمرأة كالرجل مع سهوه .




                                                                                                                          الخدمات العلمية