الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من توفي فيها من الأعيان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وممن توفي فيها من الأعيان

[ ص: 623 ] الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب

أبو محمد القرشي الهاشمي . روى عن أبيه ، عن جده مرفوعا : من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له ذنوبه . وعن عبد الله بن جعفر ، عن علي في دعاء الكرب ، وعن زوجته فاطمة بنت الحسين ، وعنه ابنه عبد الله وجماعة . وفد على عبد الملك بن مروان فأكرمه ونصره على الحجاج ، وأقره وحده على ولاية صدقة علي . وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر فأحسن ، وذكر عنه آثارا تدل على سيادته وعلمه وتسننه ، رحمه الله . وقيل : إن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة : إن الحسن بن الحسن كاتب أهل العراق ، فإذا جاءك كتابي هذا فاجلده مائة ضربة ، وقفه للناس ، ولا أراني إلا قاتله . فأرسل خلفه فعلمه علي بن الحسين كلمات الكرب ، فقالها حين دخل عليه فنجاه الله منهم ، وهي : لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله العلي العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش العظيم . توفي بالمدينة ، وكانت أمه خولة بنت منظور الفزاري .

[ ص: 624 ] وقال يوما لرجل من الرافضة : والله إن قتلك لقربة إلى الله ، عز وجل . فقال له الرجل : إنك تمزح . فقال : والله ما هذا مني بمزح ولكنه الجد . وقال له آخر منهم : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ فقال : بلى ، ولو أراد الخلافة لخطب الناس فقال : أيها الناس ، اعلموا أن هذا ولي أمركم وهو القائم عليكم من بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا ، والله لئن كان الله ورسوله اختار عليا لهذا الأمر ثم تركه علي لكان أول من ترك أمر الله ورسوله .

وقال لهم أيضا : والله لئن ولينا من الأمر شيئا لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ثم لا نقبل لكم توبة ، ويلكم غررتمونا من أنفسنا ، ويلكم لو كانت القرابة تنفع بلا عمل لنفعت أباه وأمه . فلو كان ما تقولون فينا حقا لكان آباؤنا إذ لم يعلمونا بذلك قد ظلمونا وكتموا عنا أفضل الأمور ، والله إني لأخشى أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين ، كما إني لأرجو للمحسن منا أن يكون له الأجر مرتين ، ويلكم أحبونا إن أطعنا الله ، وأبغضونا إن عصينا الله .

موسى بن نصير أبو عبد الرحمن اللخمي

مولاهم ، كان مولى لامرأة [ ص: 625 ] منهم ، وقيل : كان مولى لبني أمية . افتتح بلاد المغرب ، وغنم منها أموالا لا تعد ولا توصف ، وله بها مقامات مشهورة هائلة ، ويقال : إنه كان أعرج . ويقال : إنه ولد سنة تسع عشرة . وأصله من عين التمر ، وقيل : إنه من إراشة من بلي . سبي أبوه من جبل الخليل من الشام في أيام الصديق ، وكان اسم أبيه نصرا فصغر .

روى عن تميم الداري وروى عنه ابنه عبد العزيز ، ويزيد بن مسروق اليحصبي . وولي غزو البحر لمعاوية ، فغزا قبرص ، وبنى هنالك حصونا كالماغوصة وحصن يانس وغير ذلك من الحصون التي بناها بقبرص وكان نائب معاوية عليها بعد أن فتحها معاوية في سنة سبع وعشرين . وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس ، فلما قتل الضحاك لجأ موسى بن نصير إلى عبد العزيز بن مروان ، ثم لما دخل مروان بلاد مصر كان معه فتركه عند ابنه عبد العزيز ، ثم لما أخذ عبد الملك بلاد العراق جعله وزيرا عند أخيه بشر بن مروان .

وكان موسى بن نصير هذا ذا رأي وتدبير وحزم وخبرة بالحرب . قال الفسوي : ولي موسى بن نصير إمرة بلاد إفريقية سنة تسع وسبعين ، فافتتح [ ص: 626 ] بلادا كثيرة . وقد ذكرنا أنه افتتح بلاد الأندلس ، وهي بلاد ذات مدن وقرى وريف ، فسبى منها ومن غيرها خلقا كثيرا ، وغنم أموالا جزيلة ، من الذهب والجواهر النفيسة شيئا لا يحصى ولا يعد ، وأما الآلات والمتاع والدواب فشيء لا يدرى ما هو ، وسبى من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئا كثيرا ، حتى قيل : إنه لم يسب أحد مثله من الأعداء ، وأسلم أهل المغرب على يديه ، وبث فيهم الدين والقرآن ، وكان إذا سار إلى مكان ، تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها وعجز الدواب عنها .

وقد كان موسى بن نصير هذا يفتح في بلاد المغرب ، وقتيبة يفتح في بلاد المشرق ، فجزاهما الله خيرا ، فكلاهما فتح من الأقاليم والبلدان شيئا كثيرا ، ولكن موسى بن نصير حظي بأشياء لم يحظ بها قتيبة ، حتى قيل : إنه لما فتح الأندلس جاءه رجل فقال : ابعث معي رجالا حتى أدلك على كنز عظيم ، فبعث معه رجالا فأتى بهم إلى مكان ، فقال : احفروا . فحفروا فأفضى بهم الحفر إلى قاعة عظيمة ذات لواوين حسنة ، فوجدوا هناك من اليواقيت والجواهر والزبرجد ما أبهتهم ، وأما الذهب فشيء لا يعبر عنه ، ووجدوا في ذلك الموضع الطنافس ، الطنفسة منها منسوجة بقضبان الذهب ، منظومة باللؤلؤ الغالي المفتخر ، والطنفسة منظومة بالجوهر المثمن ، واليواقيت التي ليس لها نظير في شكلها [ ص: 627 ] وحسنها وصفاتها . ولقد سمع يومئذ مناد ينادي لا يرون شخصه : أيها الناس ، إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم فخذوا حذركم . وقيل : إنهم وجدوا في هذا الكنز مائدة سليمان بن داود التي كان يأكل عليها . وقد جمع أخباره وما جرى له في حروبه وغزواته رجل من ذريته يقال له : أبو معاوية معارك بن مروان بن عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير النصيري .

وروى الحافظ ابن عساكر أن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير حين قدم دمشق أيام الوليد عن أعجب شيء رآه في البحر ، فقال : انتهينا مرة إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة خضراء مختومة عليها بخاتمسليمان بن داود عليهما السلام فأمرت بأربعة منها فأخرجت ، وأمرت بواحدة منها فنقبت فإذا شيطان ينفض رأسه ، وهو يقول : والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعدها أفسد في الأرض . قال : ثم نظر فقال : والله لا أرى بها سليمان وملكه . فانساخ في الأرض فذهب ، قال : فأمرت بالثلاث البواقي فردت إلى مكانها .

[ ص: 628 ] وقد استسقى موسى بن نصير بالناس في سنة ثلاث وتسعين حين أقحطوا بإفريقية ، فأمرهم بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء ، ثم خرج بين الناس ، وميز أهل الذمة عن المسلمين ، وفرق بين البهائم وأولادها ثم أمر برفع الضجيج والبكاء ، وهو يدعو الله تعالى حتى انتصف النهار ، ثم نزل فقيل له : ألا دعوت لأمير المؤمنين؟ فقال : هذا موطن لا يذكر فيه إلا الله . فسقاهم الله ، عز وجل ، لما قال ذلك .

وقد وفد موسى بن نصير على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه ، فدخل دمشق في يوم جمعة والوليد على المنبر ، وقد لبس موسى ثيابا حسنة وهيئة حسنة ، ومعه ثلاثون من أبناء الملوك والأشبان ، وقد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم والحشم والأبهة العظيمة ، فلما نظر إليهم الوليد وهو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم ، لما رأى عليهم من [ ص: 629 ] الحرير والجواهر والزينة البالغة ، وجاء موسى بن نصير فسلم على الوليد وهو على المنبر ، وأمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر وشماله ، فحمد الله الوليد ، وشكره على ما أيده به ووسع ملكه ، وأطال الدعاء والتحميد والشكر حتى خرج وقت الجمعة ، ثم نزل فصلى بالناس ، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته وأعطاه شيئا كثيرا ، وكان موسى قد قدم معه بمائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، التي كان يأكل عليها وكانت من خليطين ، ذهب وفضة وعليها ثلاثة أطواق لؤلؤ وجوهر لم ير مثلها ، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة ، وقيل : إنه بعث ابنه مروان على جيش ، فأصاب من السبي مائة ألف رأس ، وبعث ابن أخيه في جيش ، فأصاب مائة ألف رأس أيضا من البربر ، فلما جاء كتابه إلى الوليد وذكر فيه أن خمس الغنائم أربعون ألف رأس . قال الناس : إن هذا أحمق ، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس وهي خمس ما غنم ، ولم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب .

وقد جرت له عجائب في فتحه بلاد الأندلس ، وقال : لو انقاد الناس لي لقدتهم حتى أفتح بهم مدينة رومية وهي المدينة العظمى في بلاد الفرنج ثم ليفتحنها الله على يدي إن شاء الله تعالى . ولما قدم على الوليد قدم معه بثلاثين ألفا من السبي غير ما ذكرنا ، وذلك خمس ما كان غنمه في آخر غزاة غزاها ببلاد [ ص: 630 ] المغرب ، وقدم معه من الأموال والتحف واللآلئ والجواهر ما لا يحد ولا يوصف .

ولم يزل مقيما بدمشق حتى مات الوليد وتولى سليمان ، وكان عاتبا على موس ى فحبسه عنده ، وطالبه بأموال عظيمة . ولم يزل في يده حتى حج سليمان في هذه السنة وأخذه معه فمات بالمدينة . وقيل : بوادي القرى . وقد قارب الثمانين ، وقيل : توفي سنة تسع وتسعين . فالله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث