الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 455 ] قال شيخ الإسلام : علامة الزمان أبو العباس أحمد بن تيمية - قدس الله روحه - ونور ضريحه . الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا .

قال الشيخ أبو محمد عبد القادر " في كتاب ( فتوح الغيب : لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء : أمر يمتثله . ونهي يجتنبه . وقدر يرضى به . [ ص: 456 ] فأقل حالة لا يخلو المؤمن فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة فينبغي له أن يلزم بها قلبه ويحدث بها نفسه ويأخذ بها الجوارح في كل أحواله " . ( قلت ) : هذا كلام شريف جامع يحتاج إليه كل أحد ، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد ، وهي مطابقة لقوله تعالى { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ولقوله تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ولقوله تعالى : { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } فإن " التقوى " تتضمن : فعل المأمور وترك المحظور و " الصبر " يتضمن : الصبر على المقدور .

" فالثلاثة " ترجع إلى هذين الأصلين ، والثلاثة في الحقيقة ترجع إلى امتثال الأمر وهو طاعة الله ورسوله . فحقيقة الأمر أن كل عبد فإنه محتاج في كل وقت إلى طاعة الله ورسوله وهو : أن يفعل في ذلك الوقت ما أمر به في ذلك الوقت ، وطاعة الله ورسوله هي عبادة الله التي خلق لها الجن والإنس . كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وقال تعالى : { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } وقال تعالى : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } .

[ ص: 457 ] والرسل كلهم أمروا قومهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } وقال تعالى : { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } . وإنما كانت " الثلاثة " ترجع إلى امتثال الأمر ; لأنه في الوقت الذي يؤمر فيه بفعل [ شيء ] من الفرائض كالصلوات الخمس والحج ونحو ذلك يحتاج إلى فعل ذلك المأمور وفي الوقت الذي تحدث أسباب المعصية يحتاج إلى الامتناع والكراهة والإمساك عن ذلك وهذا فعل لما أمر به في هذا الوقت وأما من لم تخطر له المعصية ببال فهذا لم يفعل شيئا يؤجر عليه ولكن عدم ذنبه مستلزم لسلامته من عقوبة الذنب ، والعدم المحض المستمر لا يؤمر به وإنما يؤمر بأمر يقدر عليه العبد وذاك لا يكون إلا حادثا : سواء كان إحداث إيجاد أمر أو إعدام أمر .

وأما " القدر الذي يرضى به " فإنه إذا ابتلي بالمرض أو الفقر أو الخوف فهو مأمور بالصبر أمر إيجاب ، ومأمور بالرضا إما أمر إيجاب ، وإما أمر استحباب ; وللعلماء من أصحابنا وغيرهم في ذلك قولان ونفس الصبر والرضا بالمصائب هو طاعة لله ورسوله فهو من امتثال الأمر وهو عبادة لله . [ ص: 458 ] لكن هذه " الثلاثة " وإن دخلت في امتثال الأمر عند الإطلاق فعند التفصيل والاقتران : إما أن تخص بالذكر وإما أن يقال يراد بهذا ما لا يراد بهذا كما في قوله : { فاعبده وتوكل عليه } وقوله : { فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } فإن هذا داخل في العبادة إذا أطلق اسم العبادة ، وعند " الاقتران " إما أن يقال : ذكره عموما وخصوصا وإما أن يقال ذكره خصوصا يغني عن دخوله في العام . ومثل هذا قوله تعالى { إياك نعبد وإياك نستعين } وقوله : { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } { رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا } { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا } وقد يقال : لفظ " التبتيل " لا يتناول هذه الأمور المعطوفة كما يتناولها لفظ العبادة والطاعة . و " بالجملة " فرق ما بين ما يؤمر به الإنسان ابتداء وبين ما يؤمر به عند حاجته إلى جلب المنفعة ودفع المضرة أو عند حب الشيء وبغضه . وكلام الشيخ - قدس الله روحه - يدور على هذا القطب وهو أن يفعل المأمور ويترك المحظور ويخلو فيما سواهما عن إرادة ; [ ص: 459 ] لئلا يكون له مراد غير فعل ما أمر الله به وما لم يؤمر به العبد بل فعله الرب عز وجل بلا واسطة العبد أو فعله بالعبد بلا هوى من العبد . فهذا هو القدر الذي عليه أن يرضى به . وسيأتي في كلام الشيخ ما يبين مراده وأن العبد في كل حال عليه أن يفعل ما أمر به ويترك ما نهي عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث