الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطلاق قبل النكاح

في " السنن " : من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ، ولا عتق له فيما لا يملك ، ولا طلاق له فيما لا يملك ) . قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وهو أحسن شيء في هذا الباب ، وسألت محمد بن إسماعيل ، فقلت : أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح ؟ فقال : حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده .

وروى أبو داود : ( لا بيع إلا فيما يملك ، ولا وفاء نذر إلا فيما يملك ) .

وفي " سنن ابن ماجه " : عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا طلاق قبل النكاح ، ولا عتق قبل ملك ) .

وقال وكيع : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن المنكدر ، وعطاء بن أبي [ ص: 197 ] رباح ، كلاهما عن جابر بن عبد الله ، يرفعه : ( لا طلاق قبل نكاح ) .

وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : سمعت عطاء يقول : قال ابن عباس رضي الله عنه : ( لا طلاق إلا من بعد نكاح ) .

قال ابن جريج : بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول : ( إن طلق ما لم ينكح فهو جائز ) ، فقال ابن عباس : ( أخطأ في هذا ، إن الله تعالى يقول : ( إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) ) [ الأحزاب : 49 ] ، ولم يقل : إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن .

وذكر أبو عبيد : عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه سئل عن رجل قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق ، فقال علي : ( ليس طلاق إلا من بعد ملك ) .

وثبت عنه - رضي الله عنه - أنه قال : ( لا طلاق إلا من بعد نكاح وإن سماها ) ، وهذا قول عائشة ، وإليه ذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحابهم ، وداود وأصحابه ، وجمهور أهل الحديث .

ومن حجة هذا القول : أن القائل : إن تزوجت فلانة ، فهي طالق مطلق لأجنبية ، وذلك محال ، فإنها حين الطلاق المعلق أجنبية ، والمتجدد هو نكاحها ، والنكاح لا يكون طلاقا ، فعلم أنها لو طلقت ، فإنما يكون ذلك استنادا إلى الطلاق المتقدم معلقا ، وهي إذ ذاك أجنبية ، وتجدد الصفة لا يجعله متكلما بالطلاق عند وجودها ، فإنه عند وجودها مختار للنكاح غير مريد للطلاق ، فلا يصح ، كما لو [ ص: 198 ] قال لأجنبية : إن دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت وهي زوجته ، لم تطلق بغير خلاف .

فإن قيل : فما الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق العتق ؟ فإنه لو قال : إن ملكت فلانا فهو حر ، صح التعليق ، وعتق بالملك ؟ .

قيل : في تعليق العتق قولان ، وهما روايتان عن أحمد ، كما عنه روايتان في تعليق الطلاق ، والصحيح من مذهبه الذي عليه أكثر نصوصه ، وعليه أصحابه - صحة تعليق العتق دون الطلاق ، والفرق بينهما أن العتق له قوة وسراية ، ولا يعتمد نفوذ الملك ، فإنه ينفذ في ملك الغير ، ويصح أن يكون الملك سببا لزواله بالعتق عقلا وشرعا ، كما يزول ملكه بالعتق عن ذي رحمه المحرم بشرائه ، وكما لو اشترى عبدا ليعتقه في كفارة أو نذر ، أو اشتراه بشرط العتق ، وكل هذا يشرع فيه جعل الملك سببا للعتق ، فإنه قربة محبوبة لله تعالى ، فشرع الله سبحانه التوسل إليه بكل وسيلة مفضية إلى محبوبه وليس كذلك الطلاق ، فإنه بغيض إلى الله ، وهو أبغض الحلال إليه ، ولم يجعل ملك البضع بالنكاح سببا لإزالته البتة ، وفرق ثان أن تعليق العتق بالملك من باب نذر القرب والطاعات والتبرر ، كقوله : لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن بكذا وكذا ، فإذا وجد الشرط ، لزمه ما علقه به من الطاعة المقصودة ، فهذا لون ، وتعليق الطلاق على الملك لون آخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث