الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

المحبة أصل كل دين

وكما أن المحبة والإرادة أصل كل فعل كما تقدم ، فهي أصل كل دين سواء أكان حقا أو باطلا ، فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة ، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله ، والدين هو الطاعة والعبادة والخلق ، فهو الطاعة اللازمة الدائمة التي صارت خلقا وعادة ، ولهذا فسر الخلق بالدين في قوله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم [ سورة القلم : 4 ] .

وقال الإمام أحمد عن ابن عيينة قال ابن عباس : لعلى دين عظيم .

وسئلت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : " كان خلقه القرآن " .

[ ص: 206 ] والدين فيه معنى الإذلال والقهر ، وفيه معنى الذل والخضوع والطاعة ، فلذلك يكون من الأعلى إلى الأسفل ، كما يقال : دنته فدان ، أي قهرته فذل .

قال الشاعر :


هو دان الرباب إذ كرهوا الد ين فأضحوا بعزة وصيال



ويكون من الأدنى إلى الأعلى ، كما يقال : دنت الله ، ودنت لله ، وفلان لا يدين الله دينا ، ولا يدين الله بدين ، فدان الله : أي أطاع الله وأحبه وخافه ، ودان الله : تخشع له وخضع وذل وانقاد .

والدين الباطن لا بد فيه من الحب والخضوع كالعبادة سواء ، بخلاف الدين الظاهر ، فإنه لا يستلزم الحب ، وإن كان فيه انقياد وذل في الظاهر .

وسمى الله سبحانه يوم القيامة [ يوم الدين ] فإنه اليوم الذي يدين فيه الناس فيه بأعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وذلك يتضمن جزاءهم وحسابهم ، فلذلك فسروه بيوم الجزاء ، ويوم الحساب .

وقال تعالى : فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين [ سورة الواقعة : 86 - 87 ] .

أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مربوبين مقهورين ولا مجزيين ، وهذه الآية تحتاج إلى تفسير ، فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب ، ولا بد أن يكون الدليل مستلزما لمدلوله ، بحيث ينتقل الذهن منه إلى المدلول ، لما بينهما من التلازم ، فيكون الملزوم دليلا على لازمه ، ولا يجب العكس .

ووجه الاستدلال : أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء فقد كفروا بربهم ، وأنكروا قدرته وربوبيته وحكمته ، فإما أن يقروا بأن لهم ربا قاهرا متصرفا فيهم ، كما سيميتهم إذا شاء ويحييهم إذا شاء ، ويأمرهم وينهاهم ، ويثيب محسنهم ويعاقب مسيئهم ، وإما أن لا يقروا برب هذا شأنه ، فإن أقروا به آمنوا بالبعث والنشور ، والدين الأمري والجزائي ، وإن أنكروه كفروا به ، فقد زعموا أنهم غير مربوبين ولا محكوم عليهم ، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد ، فهلا يقدرون على دفع الموت عنهم إذا جاءهم ، وعلى رد الروح إلى مستقرها إذا بلغت الحلقوم ، وهذا خطاب للحاضرين وهم عند المحتضر ، وهم يعاينون موته ، أي : فهلا تردون الروح إلى مكانها إن كان لكم قدرة وتصرف ، ولستم بمربوبين ولا بمقهورين لقاهر قادر ، تمضي عليكم أحكامه ، وتنفذ أوامره ، وهذه غاية التعجيز لهم ، إذ بين عجزهم عن رد نفس واحدة إلى [ ص: 207 ] مكانها ، ولو اجتمع على ذلك الثقلان ، فيا لها من آية دالة على وحدانيته وربوبيته سبحانه ، وتصرفه في عباده ، ونفوذ أحكامه فيهم ، وجريانها عليهم .

الدين دينان

والدين دينان : دين شرعي أمري ، ودين حسابي جزائي ، وكلاهما لله وحده ، فالدين كله لله أمرا أو جزاء ، والمحبة أصل كل واحد من الدينين ، فإن ما شرعه سبحانه وتعالى وأمر به يحبه ويرضاه ، وما نهى عنه فإنه يكرهه ويبغضه ؛ لمنافاته لما يحبه ويرضاه ، فهو يحب ضده ، فعاد دينه الأمري كله إلى محبته ورضاه .

ودين العبد لله به إنما يقبل إذا كان عن محبته ورضاه ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا ، فهذا مدين قائم بالمحبة وبسببها شرع ، ولأجلها شرع ، وعليها أسس ، وكذلك دينه الجزائي ، فإنه يتضمن مجازاة المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، وكل من الأمرين محبوب للرب ، فإنهما عدله وفضله ، وكلاهما من صفات كماله ، وهو سبحانه يحب صفاته وأسماءه ، ويحب من يحبها ، وكل واحد من الدينين فهو صراطه المستقيم الذي هو عليه سبحانه فهو على صراط مستقيم ، في أمره ونهيه ، وثوابه وعقابه ، كما قال تعالى إخبارا عن نبيه هود عليه الصلاة والسلام إذ قال لقومه : إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [ سورة هود : 54 - 56 ] .

ولما علم نبي الله هود عليه السلام أن ربه على صراط مستقيم في خلقه وأمره ونهيه ، وثوابه وعقابه ، وقضائه وقدره ، ومنعه وعطائه ، وعافيته وبلائه ، وتوفيقه وخذلانه ، لا يخرج في ذلك عن موجب كماله المقدس ، الذي يقتضيه أسماؤه وصفاته ، من العدل والحكمة والرحمة والإحسان والفضل ، ووضع الثواب مواضعه ، والعقوبة في موضعها اللائق بها ، ووضع التوفيق والخذلان والعطاء والمنع والهداية والإضلال ، كل ذلك في أماكنه ومحاله اللائقة به ، بحيث يستحق على ذلك كمال الحمد والثناء ، أوجب له ذلك العلم والعرفان ، إذ نادى على رؤوس الملأ من قومه بجنان ثابت وقلب غير خائف بل متجرد لله إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم .

ثم أخبر عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه ، وذل كل شيء لعظمته ، فقال : [ ص: 208 ] ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ، فكيف أخاف من ناصيته بيد غيره ، وهو في قهره وقبضته وتحت قهره وسلطانه دونه ، وهل هذا إلا من أجهل الجهل ، وأقبح الظلم ؟

ثم أخبر أنه سبحانه على صراط مستقيم ، فكل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه ، فلا أخاف ما دونه ، فإن ناصيته بيده ، ولا أخاف جوره وظلمه ، فإنه على صراط مستقيم ، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه ، عدل فيه قضاؤه ، له الملك وله الحمد ، ولا يخرج في تصرفه في عباده عن العدل والفضل ، إن أعطى وأكرم وهدى ووفق فبفضله ورحمته ، وإن منع وأهان وأضل وخذل وأشقى فبعدله وحكمته ، وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا .

وفي الحديث الصحيح : ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن ، فقال : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك اللهم بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك : أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ، إلا أذهب الله همه وغمه ، وأبدله مكانه فرجا ، قالوا : يا رسول الله ألا نتعلمهن ؟ قال : بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن .

وهذا يتناول حكم الرب الكوني والأمري وقضاءه الذي يكون باختيار العبد وغير اختياره ، وكلا الحكمين ماض في عبده ، وكلا القضائين عدل فيه ، فهذا الحديث مشتق من هذه الآية ، بينهما أقرب نسب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث