الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون والحق هنا هو أمر القتال، فقد فرت منهم العير التي خرجوا إليها ليأخذوها، وبدا لهم النفير، فبدل أن يلقوا عيرا ينفلوها لقوا جيشا يقاتلونه، وذلك هو الحق الثابت الذي فيه الشوكة إن انتصروا، والصبر عند الصدمة، وقد جادلوا في هذا مع أنه صار أمرا لا مناص منه.

وفي الحق كانت قوة الكفر مسيطرة، وما كان للمؤمنين قبل بها لولا تأييد الله تعالى ونصرته، فالخوف كان لا بد منه، وليس الشجاع هو الذي لا يخاف، إنما الشجاع هو الذي يقدر قوة عدوه ويخافها، ولكن يدبر للقائها، ويعمل على التغلب عليها، ولقد كان جدلهم في هذا منشؤه المحافظة على النفس كجدلهم حول الغنائم فمنشؤه الرغبة في الموت.

[ ص: 3070 ] وقد قال الله تعالى في تصوير خوفهم وتقديرهم للقاء كأنما يساقون إلى الموت فقد شبه سبحانه وتعالى حالهم بحال من يساق إلى الموت، وهو مشدوه ناظر إليه، متوقع له كأنه يراه رأي العين، وأنه نازل به لا محالة.

ولقد تجسم لديهم الخطر، كأنه نازل بهم لا محالة، ولا منجاة منه، وإن رضوا بالفداء فالله سبحانه وتعالى يبين لهم أن ثمة خطر، ولكن ثمة أيضا وعد الله تعالى بالنصر والتأييد، وثمة الإيمان الثابت الذي تزلزلت معه الجبال ولا يتزلزل.

وإن الله تعالى يدعوهم في هذا إلى الصبر والاطمئنان إلى وعد الله تعالى، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبث فيهم روح الاطمئنان والأمن، ولكنه كان يريد أن يتثبت من اعتزامهم اللقاء وطلبهم للنصر، وطاعتهم له.

ويروي الحافظ ابن كثير وأصحاب السير الصحاح أنه لما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - خبر فرار العير إلى سيف البحر، ومجيء جيش المشركين، وكان النزال لا بد منه، أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يتثبت من جيشه فاستشار من معه وأخبرهم عن قريش، فقال أبو بكر فأحسن القول، ثم قام عمر فقال فأحسن.

ثم قام المقداد بن عمرو فقال: امض يا رسول الله لما أمرك الله به فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (مدينة بالحبشة ) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرا، ودعا له بخير.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: "أشيروا علي أيها الناس" وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله يتخوف من ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى [ ص: 3071 ] عدوهم من بلادهم، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ذلك قال سعد بن معاذ : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل" قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله كما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى بك عدونا غدا، إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى، فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول سعد ونشطه، وقال: "سيروا على بركة الله".


انظر إلى حكمة القائد المحنك لا سير إلا بعد أن يعرف أن إرادة جيشه قد اجتمعت على الحرب.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث