الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم

يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم إعادة لمضمون قوله يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله الذي هو بمنزلة النتيجة من الدليل أو مقصد الخطبة من مقدمتها كما تقدم هنالك .

فافتتاح السورة كان بالأمر بالطاعة والتقوى ، ثم بيان أن حق المؤمنين الكمل أن يخافوا الله ويطيعوه ويمتثلوا أمره وإن كانوا كارهين ، وضرب لهم مثلا بكراهتهم الخروج إلى بدر ، ثم بكراهتهم لقاء النفير ، وأوقفهم على ما اجتنبوه من بركات الامتثال وكيف أيدهم الله بنصره ونصب لهم عليه أمارة الوعد بإمداد الملائكة لتطمئن قلوبهم بالنصر ، وما لطف بهم من الأحوال ، وجعل ذلك كله إقناعا لهم بوجوب الثبات في وجه المشركين عند الزحف ، ثم عاد إلى الأمر بالطاعة وحذرهم من أحوال الذين يقولون سمعنا وهم لا يسمعون ، وأعقب ذلك بالأمر بالاستجابة للرسول إذا دعاهم إلى شيء فإن في دعوته إياهم إحياء لنفوسهم ، وأعلمهم أن الله يكسب قلوبهم بتلك الاستجابة قوى قدسية .

واختير في تعريفهم ، عند النداء ، وصف الإيمان ليومئ إلى التعليل كما تقدم في الآيات من قبل ، أي أن الإيمان هو الذي يقتضي أن يثقوا بعناية الله بهم فيمتثلوا أمره إذا دعاهم .

[ ص: 312 ] والاستجابة : الإجابة ، فالسين والتاء فيها للتأكيد ، وقد غلب استعمال الاستجابة في إجابة طلب معين أو في الأعم ، فأما الإجابة فهي إجابة لنداء وغلب أن يعدى باللام إذا اقترن بالسين والتاء ، وتقدم ذلك عن قوله - تعالى - " فاستجاب لهم ربهم " في آل عمران .

وإعادة حرف بعد واو العطف في قوله " وللرسول " للإشارة إلى استقلال المجرور بالتعلق بفعل الاستجابة ، تنبيها على أن استجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعم من استجابة الله لأن الاستجابة لله لا تكون لا بمعنى المجاز وهو الطاعة بخلاف الاستجابة للرسول - عليه الصلاة والسلام - فإنها بالمعنى الأعم الشامل للحقيقة وهو استجابة ندائه ، وللمجاز وهو الطاعة ، فأريد أمرهم بالاستجابة للرسول بالمعنيين كلما صدرت منه دعوة تقتضي أحدهما .

ألا ترى أنه لم يعد ذكر اللام في الموقع الذي كانت فيه الاستجابة لله والرسول - صلى الله عليه وسلم - بمعنى واحد ، وهو الطاعة ، وذلك قوله - تعالى - " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " فإنها الطاعة للأمر باللحاق بجيش قريش في حمراء الأسد بعد الانصراف من أحد فهي استجابة لدعوة معينة .

وإفراد ضمير " دعاكم " لأن الدعاء من فعل الرسول مباشرة ، كما أفرد الضمير في قوله " ولا تولوا عنه " وقد تقدم آنفا .

وليس قوله " إذا دعاكم لما يحييكم " قيدا للأمر باستجابة ولكنه تنبيه على أن دعاءه إياهم لا يكون إلا إلى ما فيه خير لهم وإحياء لأنفسهم .

واللام في " لما يحييكم " لام التعليل أي دعاكم لأجل ما هو سبب حياتكم الروحية .

والإحياء تكوين الحياة في الجسد ، والحياة قوة بها يكون الإدراك والتحرك بالاختيار ، ويستعار الإحياء تبعا لاستعارة الحياة للصفة أو القوة التي بها كمال موصوفها فيما يراد منه مثل حياة الأرض بالإنبات وحياة العقل بالعلم وسداد الرأي ، وضدها الموت في المعاني الحقيقية والمجازية ، قال - تعالى - " أموات غير أحياء " " أومن كان ميتا فأحييناه " وقد تقدم في سورة الأنعام .

والإحياء والإماتة تكوين الحياة والموت . وتستعار الحياة والإحياء لبقاء [ ص: 313 ] الحياة واستبقائها بدفع العوادي عنها " ولكم في القصاص حياة " " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " .

والإحياء هذا مستعار لما يشبه إحياء الميت ، وهو إعطاء الإنسان ما به كمال الإنسان ، فيعم كل ما به ذلك الكمال من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح والخلق الكريم ، والدلالة على الأعمال الصالحة وإصلاح الفرد والمجتمع ، وما يتقوم به ذلك من الخلال الشريفة العظيمة ، فالشجاعة حياة للنفس ، والاستقلال حياة ، والحرية حياة ، واستقامة أحوال العيش حياة .

ولما كان دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو عن إفادة شيء من معاني هذه الحياة أمر الله الأمة بالاستجابة له ، فالآية تقتضي الأمر بالامتثال لما يدعو إليه الرسول سواء دعا حقيقة بطلب القدوم ، أم طلب عملا من الأعمال ، فلذلك لم يكن قيد " لما يحييكم " مقصودا لتقييد الدعوة ببعض الأحوال بل هو قيد كاشف ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يدعوهم إلا وفي حضورهم لديه حياة لهم ، ويكشف عن هذا المعنى في قيد " لما يحييكم " ما رواه أهل الصحيح عن أبي سعيد بن المعلى ، قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه ثم أتيته فقلت : يا رسول الله إني كنت أصلي فقال : ألم يقل الله - تعالى - " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم " ثم قال : ألا أعلمك صورة الحديث في فضل فاتحة الكتاب ، فوقفه على قوله " إذا دعاكم " يدل على أن " لما يحييكم " قيد كاشف . وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على أبي بن كعب فقال : يا أبي وهو يصلي فالتفت أبي ولم يجبه وصلى أبي فخفف ثم انصرف إلى رسول الله فقال : السلام عليك يا رسول الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وعليك السلام ، ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك فقال : يا رسول الله إني كنت في الصلاة ، فقال : أفلم تجد فيما أوحي إلي أن استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . قال : بلى ولا أعود إن شاء الله الحديث بمثل حديث أبي سعيد بن المعلى . قال ابن عطية : وهو مروي أيضا من طريق مالك بن أنس يريد حديث أبي بن كعب ( وهو عند مالك حضر منه عند الترمذي ) قال ابن عطية : وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق ، فتكون عدة قضايا متماثلة . ولا شك أن القصد منها [ ص: 314 ] التنبيه على هذه الخصوصية لدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث