الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الآية الثالثة :

قوله تعالى : { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } .

فيها إحدى عشرة مسألة :

المسألة الأولى في نزولها :

قيل : إنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة ، أمروا باللباس وستر العورة ; قاله ابن عباس وجماعة معه .

وقال مجاهد والزجاج : نزلت في ستر العورة في الصلاة ، وهذا ليس يدافع الأول ; لأن الطواف بالبيت صلاة .

وفي الصحيح عن ابن عباس قال : كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول : من تعيرني تطوافا ؟ فتجعله على فرجها وتقول : [ ص: 305 ]

اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله     جهم من الجهم عظيم ظله
كم من لبيب عقله يضله     وناظر ينظر ما يمله

فنزلت : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } .

قال ابن العربي : وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط .

وقد روي أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة ، إلا الحمس : قريش وأحلافهم ، فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثوب أحمسي ، فيحل أن يلبس ثيابه ، فإن لم يجد من يعيره ما يلبس من الحمس فإنه يلقي ثوبه ويطوف عريانا ، وتحرم عليه ثيابه ، فنزلت الآية .

وثبت في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان } . فنودي بها في الموسم .

المسألة الثانية : في سبب فعل الجاهلية لذلك :

إن قريشا كانت رأت رأيا تكيد به العرب ، فقالوا : يا معشر قريش ; لا تعظموا شيئا من البلدان كتعظيم حرمكم ، فتزهد العرب ; في حرمكم إذا رأوكم قد عظمتم من البلدان غيره كتعظيمه ، فعظموا أمركم في العرب ; فإنكم ولاة البيت وأهله دون الناس ; فوضعوا لذلك الأمر أن قالوا : نحن أهل الحرم ، فلا ينبغي لنا أن نعظم غيره ، ولا نخرج منه ; فكانوا يقفون بالمزدلفة دون عرفة ; لأنها خارج من الحرم ، وكانت سنة إبراهيم وعهدا من عهده ، ثم قالوا : لا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا ، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا ، ولا يأكل الأقط ، ولا يستظل بالأدم إلا الحمس ، وهم قريش ، وما ولدت من العرب ومن كان يليها من حلفائها من بني كنانة ; فكان الرجل من العرب أو المرأة يأتيان حاجين ، حتى إذا أتيا الحرم وضعا ثيابهما وزادهما ، وحرم عليهما أن يدخلا مكة بشيء من ذلك : فإن كان لأحد [ ص: 306 ] منهم صديق من الحمس استعار من ثيابه وطاف بها ، ومن لم يكن له صديق منهم ، وكان له يسار استأجر من رجل من الحمس ثيابه ، فإن لم يكن له صديق ولا يسار يستأجر به كان بين أحد أمرين : إما أن يطوف بالبيت عريانا ، وإما أن يتكرم أن يطوف بالبيت عريانا فيطوف في ثيابه ; فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه ، فلم يمسه ، ولم يمسه أحد من الناس ; فكان ذلك الثوب يسمى اللقى قال قائل من العرب :

كفى حزنا كري عليه كأنه     لقى بين أيدي الطائفين حريم

وإن كانت امرأة ولم تجد من يعيرها ولا كان لها يسار تستأجر به [ خلعت ] ثيابها كلها إلا درعا مفردا ، ثم طافت فيه ; فقالت امرأة من العرب كانت جميلة تامة ذات هيئة وهي تطوف :

اليوم يبدو بعضه أو كله     وما بدا منه فلا أحله

فكانوا على ذلك من البدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل فيمن كان يطوف بالبيت عريانا : { يا بني آدم خذوا زينتكم } إلى آخر الآية .

ووضع الله ما كانت قريش ابتدعت من ذلك ، وقد أنزل الله في تركهم الوقوف بعرفة : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } يعني بذلك قريشا ومن كان على دينهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث