الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في آية الربا

[ ص: 269 ] فصل في آية الربا [ ص: 270 ] فصل في آية الربا

قال الله تعالى : الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ، وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون إلى قوله : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم [البقرة :275 - 280] .

قوله : فله ما سلف أي : مما كان قبضه من الربا جعله له . وأمره إلى الله قد قيل : الضمير يعود إلى الشخص ، وقيل : إلى «ما » ، وبكل حال فالآية تقتضي أن أمره إلى الله ، لا إلى الغريم الذي عليه الدين ، بخلاف الباقي فإن للغريم أن يطلب إسقاطه ، كما قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ، أي : ذروا ما بقي من الربا في ذمم الغرماء ، وإن تبتم فلكم رءوس [ ص: 272 ] أموالكم أي : رأس المال من غير زيادة . فقد أمرهم بترك الزيادة وهي الربا ، فيسقط عن ذمة الغريم ولا يطالب بها ، وهذه للغريم فيها حق الامتناع من أدائها والمخاصمة على ذلك وإبطال الحجة المكتتبة بها .

وأما ما كان قبضه فقد قال : فله ما سلف وأمره إلى الله ، فاقتضى أن السالف له للقابض ، وأن أمره إلى الله وحده لا شريك له ، ليس للغريم فيه أمر . وذلك أنه لما جاءه موعظة من ربه فانتهى كان مغفرة ذلك الذنب والعقوبة عليه إلى الله ، وهذا قد انتهى في الظاهر ، فله ما سلف ، وأمره إلى الله ، إن علم من قلبه صحة التوبة غفر له ، وإلا عاقبه .

ثم قال : اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فأمر بترك الباقي ، ولم يأمر برد المقبوض .

وقال : وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ، لا يشترط منها ما قبض . وهذا الحكم ثابت في حق الكافر إذا عامل كافرا بالربا ، وأسلما بعد القبض وتحاكما إلينا ، فإن ما قبضه يحكم له به كسائر ما قبضه الكفار بالعقود التي يعتقدون حلها ، كما لو باع خمرا وقبض ثمنها ، ثم أسلم ، فإن ذلك يحل له ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من أسلم على شيء فهو له » . [ ص: 273 ]

وأما [المسلم] فله ثلاثة أحوال :

تارة يعتقد حل بعض الأنواع باجتهاد أو تقليد .

وتارة يعامل بجهل ، ولا يعلم أن ذلك ربا محرم .

وتارة يقبض مع علمه بأن ذلك محرم .

أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبين له فيما بعد أن ذلك ربا محرم ، قيل : يرد ما قبض كالغاصب ، وقيل : لا يرده ، وهو الأصح ؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلال ، والكلام فيما إذا كان مختلفا فيه مثل الحيل الربوية ، فإذا كان الكافر إذا تاب يغفر له ما استحله ويباح له ما قبضه ، فالمسلم المتأول إذا تاب يغفر له ما استحله ويباح له ما قبضه ؛ لأن المسلم إذا تاب أولى أن يغفر له إن كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حل ذلك ، فهو في تأويله أعذر من الكافر في تأويله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث