الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها

إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون

لما ذكر صدهم المسلمين عن المسجد الحرام الموجب لتعذيبهم ، عقب بذكر محاولتهم استئصال المسلمين وصدهم عن الإسلام وهو المعني ب سبيل الله ، وجعلت الجملة مستأنفة ، غير معطوفة ، اهتماما بها أي أنهم ينفقون أموالهم وهي أعز الأشياء عليهم للصد عن الإسلام ، وأتى بصيغة المضارع في ينفقون للإشارة إلى أن ذلك دأبهم وأن الإنفاق مستمر لإعداد العدد لغزو المسلمين ، فإنفاقهم حصل في الماضي ويحصل في الحال والاستقبال ، وأشعرت لام التعليل بأن الإنفاق مستمر لأنه منوط بعلة ملازمة لنفوسهم وهي بغض الإسلام وصدهم الناس عنه .

وهذا الإنفاق : أنهم كانوا يطعمون جيشهم يوم بدر اللحم كل يوم ، وكان المطعمون اثني عشر رجلا وهم أبو جهل ، وأمية بن خلف ، والعباس بن عبد المطلب ، وعتبة بن ربيعة ، والحارث بن عامر بن نوفل ، وطعيمة بن عدي بن نوفل ، وأبو البختري ، والعاص بن هشام ، وحكيم بن حزام ، والنضر بن الحارث ، ونبيه بن حجاج السهمي ، وأخوه منبه ، وسهيل بن عمرو العامري . كانوا يطعمون في كل يوم عشر جزائر . وهذا الإنفاق وقع يوم بدر ، وقد مضى ، فالتعبير عنه بصيغة المضارع لاستحضار حالة الإنفاق وأنها حالة عجيبة في وفرة النفقات .

وهو جمع بالإضافة يجعله من صيغ العموم ، فكأنه قيل : ينفقون أموالهم كلها مبالغة ، وإلا فإنهم ينفقون بعض أموالهم .

[ ص: 341 ] والفاء في فسينفقونها تفريع على العلة لأنهم لما كان الإنفاق دأبهم لتلك العلة المذكورة ، كان مما يتفرع على ذلك تكرر هذا الإنفاق في المستقبل ، أي ستكون لهم شدائد من بأس المسلمين تضطرهم إلى تكرير الإنفاق على الجيوش لدفاع قوة المسلمين .

وضمير " ينفقونها " راجع إلى الأموال لا بقيد كونها المنفقة بل الأموال الباقية أو بما يكتسبونه .

و ثم للتراخي الحقيقي والرتبي ، أي وبعد ذلك تكون تلك الأموال التي ينفقونها حسرة عليهم ، والحسرة شدة الندامة والتلهف على ما فات ، وأسندت الحسرة إلى الأموال لأنها سبب الحسرة بإنفاقها ، ثم إن الإخبار عنها بنفس الحسرة مبالغة مثل الإخبار بالمصادر ، لأن الأموال سبب التحسر لا سبب الحسرة نفسها .

وهذا إنذار بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم على طائل فيما أنفقوا لأجله ، لأن المنفق إنما يتحسر ويندم إذا لم يحصل له المقصود من إنفاقه ، ومعنى ذلك أنهم ينفقون ليغلبوا فلا يغلبون ، فقد أنفقوا بعد ذلك على الجيش يوم أحد : استأجر أبو سفيان ألفين من الأحابيش لقتال المسلمين يوم أحد ، والأحابيش فرق من كنانة تجمعت من أفذاذ شتى وحالفوا قريشا وسكنوا حول مكة سموا أحابيش جمع أحبوش وهو الجماعة أي الجماعات فكان ما أحرزوه من النصر كفاء لنصر يوم بدر بل كان نصر يوم بدر أعظم ، ولذلك اقتنع أبو سفيان يوم أحد أن يقول " يوم بيوم بدر والحرب سجال " وكان يحسب أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قد قتل وأن أبا بكر وعمر قتلا ، فخاب في حسابه ، ثم أنفقوا على الأحزاب حين هاجموا المدينة ثم انصرفوا بلا طائل ، فكان إنفاقهم حسرة عليهم .

وقوله " ثم يغلبون " ارتقاء في الإنذار بخيبتهم وخذلانهم ، فإنهم بعد أن لم يحصلوا من إنفاقهم على طائل توعدوا بأنهم سيغلبهم المسلمون بعد أن غلبوهم أيضا يوم بدر ، وهو إنذار لهم بغلب فتح مكة وانقطاع دابر أمرهم ، وهذا كالإنذار في قوله " قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبيس المهاد " وإسناد الفعل إلى المجهول لكون فاعل الفعل معلوما بالسياق فإن أهل مكة ما كانوا يقاتلون غير [ ص: 342 ] المسلمين وكانت مكة لقاحا .

وثم للتراخي الحقيقي والرتبي مثل التي قبلها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث