الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب في الشهادة

( الفرق التاسع والثلاثون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب ) :

وقد يعتبر النادر معه ، وقد يلغيان معا اعلم أن الأصل اعتبار الغالب ، وتقديمه على النادر ، وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب في طهارة المياه وعقود المسلمين ، ويقصر في السفر ، ويفطر بناء على غالب الحال ، وهو المشقة ، ويمنع شهادة الأعداء والخصوم لأن الغالب منهم الحيف ، وهو كثير في الشريعة لا يحصى كثرة ، وقد يلغي الشرع الغالب رحمة بالعباد ، وتقديمه قسمان قسم يعتبر فيه النادر ، وقسم يلغيان فيه معا .

وأنا أذكر من كل قسم مثلا ليتهذب بها الفقيه ، ويتنبه إلى وقوعها في الشريعة فإنه لا يكاد يخطر ذلك بالبال ، ولا سيما تقديم النادر على الغالب

( القسم الأول ) ما ألغي فيه الغالب ، وقدم النادر عليه ، وأثبت حكمه دونه رحمة بالعباد ، وأنا أذكر منه عشرين مثالا :

( الأول ) غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون زنى وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود ألغى الشارع الغالب ، وأثبت حكم النادر ، وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم ، وصون أعراضهم عن الهتك .

( الثاني ) إذا تزوجت فجاءت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد ، وهو الغالب أو من وطء بعده ، وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر ، وإنما يوضع في الستة سقطا في الغالب ألغى الشرع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر ، وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم .

( الثالث ) ندب الشرع النكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله تعالى والإقدام على المعاصي ، وعلى رأي أكثر العلماء من لم يعرف الله تعالى بالبرهان فهو كافر ، ولم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر كما حكاه الإمام في الشامل والإسفراييني ، ومقتضى هذا أن ينهى من الذرية لغلبة الفساد عليهم فألغى الشرع حكم الغالب ، واعتبر حكم النادر ترجيحا لقليل الإيمان على كثير الكفر [ ص: 105 ] والمعاصي تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم رحمة بهم .

( الرابع ) طين المطر الواقع في الطرقات وممر الدواب والمشي بالأمدسة التي يجلس بها في المراحيض الغالب عليها وجود النجاسة من حيث الجملة ، وإن كنا لا نشاهد عينها ، والنادر سلامتها منها ، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فيصلي به من غير غسل .

( الخامس ) النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لا سيما نعل مشى بها سنة ، وجلس بها في مواضع قضاء الحاجة سنة ، ونحوها فالغالب النجاسة والنادر سلامتها من النجاسة ، ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم إن قلع النعال في الصلاة بدعة كل ذلك رحمة وتوسعة على العباد .

( السادس ) الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم لها ، والنادر سلامتها ، وقد جاءت السنة بصلاته عليه السلام بأمامة يحملها في الصلاة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد .

( السابع ) ثياب الكفار التي ينسجونها بأيديهم مع عدم تحرزهم من النجاسات فالغالب نجاسة أيديهم لما يباشرونه عند قضاء حاجة الإنسان ، ومباشرتهم الخمور والخنازير ، ولحوم الميتات ، وجميع أوانيهم نجسة بملابسة ذلك ، ويباشرون النسج والعمل مع بلة أيديهم ، وعرقها حالة العمل ، ويبلون تلك الأمتعة بالنشا وغيره مما يقوي لهم الخيوط ويعينهم على النسج فالغالب نجاسة هذا القماش ، والنادر سلامته عن النجاسة ، وقد سئل عنه مالك فقال ما أدركت أحدا يتحرز من الصلاة في مثل هذا فأثبت الشارع حكم النادر ، وألغى حكم الغالب ، وجوز لبسه توسعة على العباد .

( الثامن ) ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم ، وبأيديهم الغالب نجاسته لما تقدم ، والنادر طهارته ، ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر ، وألغى حكم الغالب ، وجوز أكله توسعة على العباد .

( التاسع ) ما يصنعه المسلمون الذين لا يصلون ، ولا يستنجون بالماء ، ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة الغالب نجاستها ، والنادر سلامتها فألغى الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر ، وجوز أكلها توسعة ورحمة على العباد .

( العاشر ) ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم الغالب عليه النجاسة ، وقد أثبت الشرع حكم النادر ، وألغى حكم الغالب ، وجوز الصلاة فيه لطفا بالعباد

( الحادي عشر ) ما يصبغه أهل الكتاب الغالب نجاسته ، وهو أشد مما ينسجونه لكثرة [ ص: 106 ] الرطوبات الناقلة للنجاسة ، وألغى الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر رفقا بالعباد فجوز الصلاة فيها .

( الثاني عشر ) ما يصنعه العوام من المسلمين الذين لا يصلون ، ولا يتحرزون من النجاسات الغالب نجاسته ، والنادر سلامته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب توسعة ولطفا بالعباد

( الثالث عشر ) ما يلبسه الناس ، ويباع في الأسواق ، ولا يعلم لابسه كافر أو مسلم يحتاط ويتحرز مع أن الغالب على أهل البلاد العوام والفسقة وتراك الصلاة فيها ، ومن لا يتحرز من النجاسات فالغالب نجاسة هذا الملبوس ، والنادر سلامته فأثبت الشارع حكم النادر ، وألغى حكم الغالب لطفا بالعباد .

( الرابع عشر ) الحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما قد لبست يمشي عليها الحفاة والصبيان ، ومن يصلي ، ومن لا يصلي الغالب مصادفتها للنجاسة ، والنادر سلامتها ، ومع ذلك قد جاءت السنة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء ، والنضح لا يزيل النجاسة بل ينشرها فقدم الشرع حكم النادر على حكم الغالب .

( الخامس عشر ) الحفاة الغالب مصادفتهم النجاسة ، ولو في الطرقات ومواضع قضاء الحاجات ، والنادر سلامتهم ، ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافي كما جوز له الصلاة بنعله من غير غسل رجليه ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمشي حافيا ، ولا يعيب ذلك في صلاته لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنعله ، ومعلوم أن الحفاء أخف من تحمل النجاسة من النعال فقدم الشارع حكم النادر على الغالب توسعة على العباد

( السادس عشر ) دعوى الصالح الولي التقي على الفاجر الشقي الغاصب الظالم درهما الغالب صدقه ، والنادر كذبه ، ومع ذلك فقدم الشرع حكم النادر على الغالب ، وجعل الشرع القول قول الفاجر لطفا بالعباد بإسقاط الدعاوى عنهم ، واندراج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة .

( السابع عشر ) عقد الجزية لتوقع إسلام بعضهم ، وهو نادر ، والغالب استمرارهم على الكفر وموتهم عليه بعد الاستمرار فألغى الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل وحسم مادة الإيمان عنهم .

( الثامن عشر ) الاشتغال بالعلم مأمور به مع أن الغالب على الناس الرياء ، وعدم الإخلاص ، والنادر الإخلاص ، ومقتضى الغالب النهي عن الاشتغال بالعلم لأنه وسيلة للرياء ، ووسيلة المعصية معصية فلم يعتبره الشارع ، وأثبت حكم [ ص: 107 ] النادر

( التاسع عشر ) المتداعيان أحدهما كاذب قطعا ، والغالب أن أحدهما يعلم بكذبه ، والنادر أن يكون قد وقعت لكل واحد منهما شبهة ، وعلى التقدير الأول يكون تحليفه سعيا في وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غايته أنه يعارضه أخذ الحق ، وإلجاؤه إليه ، وذلك إما مباح أو واجب ، وإذا تعارض المحرم ، والواجب قدم المحرم ، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم ، وكذلك القول في اللعان الغالب أن أحدهما كاذب يعلم كذبه ، ومع ذلك يشرع اللعان .

( العشرون ) غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء ، ولذلك الشيوخ أقل يعني أنه لو كان الشبان يعيشون لصاروا شيوخا فتكثر الشيوخ فلما كان الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر ، وحياته للشيخوخة نادرا ، ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم ، ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل عنها قوم في الطهارات فدخل عليهم الوسواس ، وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية ، وهي الحكم بالغالب فإن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونه النجاسة فيغسلون ثيابهم ، وأنفسهم من جميع ذلك بناء على الغالب ، وهو غالب كما قالوا ، ولكنه قدم النادر الموافق للأصل عليه ، وإن كان مرجوحا في النفس ، وظنه معدوم النسبة للظن الناشئ عن الغالب لكن لصاحب الشرع أن يضع في شرعه ما شاء ، ويستثني من قواعده ما شاء هو أعلم بمصالح عباده فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا ، وحينئذ يعتمد عليه ، وأما مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره فخلاف الإجماع .

( تنبيه ) ليس من باب تقديم النادر على الغالب حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه ، وعلى العموم دون الخصوص فإنه يمكن أن يقال إنه منه لغلبة المجاز على كلام العرب حتى قال ابن جني كلام العرب كله مجاز ، وغلبة الخصوصات على العمومات حتى روي عن ابن عباس أنه قال ما من عام إلا ، وقد خص إلا قوله تعالى { والله بكل شيء عليم } وإذا غلب المجاز والتخصيص فينبغي إذا ظفرنا بلفظ ابتداء أن نحمله على مجازه تغليبا للغالب على النادر ، ولا نحمله على حقيقته لأنه النادر ، ونحمل العموم [ ص: 108 ] ابتداء على التخصيص لأنه الغالب ، ولا نحمله على العموم لأنه نادر فحيث عكسنا كان ذلك تغليبا للنادر على الغالب

( والجواب ) عنه أنه ليس من هذا الباب وسببه أن شرط الفرد المتردد بين النادر والغالب فيحمل على الغالب أن يكون من جنس الغالب ، وإلا فلا يحمل على الغالب بيانه بالمثال أن الشقة إذا جاءت من القصار جاز أن تكون طاهرة ، وهو الغالب أو نجسة ، وهو النادر أن يصيبها بول فأر أو غيره من الحيوان فإنا نحكم بطهارتها بناء على الغالب لأن حكمنا بطهارة الثياب المقصورة لأنها خرجت من القصارة ، وهذا الثوب المتردد بين النادر والغالب خرج من القصارة فكان من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فيلحق به أما لو كنا لا نقضي بطهارة الثياب المقصورة لكونها خرجت من القصارة بل لأنها تغسل بعد ذلك ، وهذا الثوب المتردد بين النادر والغالب لم يغسل فإنا هنا لا نقضي بطهارته لأجل عدم الغسل بعد القصارة الذي لأجله حكمنا بطهارته فهو حينئذ ليس من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته لأن ذلك مغسول بعد القصارة ، وهذا الثوب غير مغسول كذلك في الألفاظ فإذا لم نقض على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص بمجرد كونه لفظا بل لأجل اقترانه بالقرينة الصادرة عن الحقيقة إلى المجاز ، واقتران المخصص الصارف عن العموم للتخصيص ، وهذا اللفظ الوارد ابتداء الذي حملناه على حقيقته دون مجازه ، والعموم دون الخصوص ليس معه صارف من قرينة صارفة عن الحقيقة ، ولا مخصص صارف عن العموم فهو حينئذ ليس من جنس ذلك الغالب فلو حملناه على المجاز أو التخصيص لحملناه على غير غالب فإنه لم يوجد لفظ من حيث هو لفظ حمل على المجاز ، ولا على الخصوص ألبتة فضلا عن كونه غالبا بل هذا اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها ليس فيها غالب ، ونادر بل شيء واحد ، وهو الحقيقة مطلقا ، والعموم مطلقا فتأمل ذلك فهو شرط خفي في حمل الشيء على غالبه دون نادره ، وهو أنه من شرطه أن يكون من جنسه كما تقدم تقريره بالمثال فظهر أن حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه ابتداء ، والعموم دون الخصوص ليس من باب الحمل على النادر دون الغالب ، ولقد أوردت هذا السؤال على جمع كثير من الفضلاء قديما وحديثا فلم يحصل عنه جواب ، وهو سؤال حسن ، وجوابه حسن جدا .

( القسم الثاني ) ما ألغى الشارع [ ص: 109 ] الغالب والنادر معا فيه ، وأنا أذكر منه إن شاء الله عشرين مثالا

( الأول ) شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جدا الغالب صدقهم ، والنادر كذبهم ، ولم يعتبر الشرع صدقهم ، ولا قضى بكذبهم بل أهملهم رحمة بالعباد ، ورحمة بالمدعى عليه ، وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة كما تقدم بيانه .

( الثاني ) شهادة الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان الغالب صدقهن ، والنادر كذبهن لا سيما مع العدالة ، وقد ألغى صاحب الشرع صدقهن فلم يحكم به ، ولا حكم بكذبهن لطفا بالمدعى عليه .

( الثالث ) الجمع الكثير من الكفار والرهبان والأحبار إذا شهدوا الغالب صدقهم ، والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم لطفا بالمدعى عليه ، ولم يحكم بكذبهم .

( الرابع ) شهادة الجمع الكثير من الفسقة الغالب صدقهم ، ولم يحكم الشرع به لطفا بالمدعى عليه ، ولم يحكم بكذبهم

( الخامس ) شهادة ثلاثة عدول في الزنا الغالب صدقهم ، ولم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه ، ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفوه لا من حيث إنهم شهود زور

( السادس ) شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان الغالب صدقه ، والنادر كذبه ، ولم يحكم الشرع بصدقه لطفا بالعباد ، ولطفا بالمدعى عليه ، ولم يكذبه .

( السابع ) حلف المدعي الطالب ، وهو من أهل الخير والصلاح الغالب صدقه ، والنادر كذبه ، ولم يقض الشارع بصدقه فيحكم له بيمينه بل لا بد من البينة ، ولم يحكم بكذبه لطفا بالمدعى عليه .

( الثامن ) رواية الجمع الكثير لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين لتحريم الكذب في دينهم الغالب صدقهم والنادر كذبهم ، ولم يعتبر الشرع صدقهم لطفا بالعباد وسدا لذريعة أن يدخل في دينهم ما ليس منه .

( التاسع ) رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس ونهب الأموال ، وهم رؤساء عظماء في الوجود كالملوك والأمراء ونحوهم الغالب عند اجتماعهم على الرواية الواحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقهم فإن أتاهم وازع طبيعي يمنعهم الكذب ، وغيره لا تدينا ، ومع ذلك لا تقبل روايته صونا للعباد عن أن يدخل في دينهم ما ليس منه بل جعل الضابط العدالة ، ولم يحكم بكذب هؤلاء

( العاشر ) رواية الجمع الكثير من الجاهلين للحديث النبوي الغالب صدقهم ، والنادر كذبهم [ ص: 110 ] ولم يحكم الشرع بصدقهم ولا بكذبهم .

( الحادي عشر ) أخذ السراق المتهمين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة الغالب مصادفته للصواب ، والنادر خطؤه ، ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع

( الثاني عشر ) أخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد الغالب مصادفته للحق ، والنادر خطؤه ، ومع ذلك منعه الشارع منه وحرمه ، ولا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه .

( الثالث عشر ) الغالب على من وجد بين فخذي امرأة ، وهو متحرك حركة الواطئ ، وطال الزمان في ذلك أنه قد أولج ، والنادر عدم ذلك فإذا شهد عليه بذلك ألغى الشارع هذا الغالب سترا على عباده ، ولم يحكم بوطئه ، ولا بعدمه

( الرابع عشر ) شهادة العدل المبرز لولده الغالب صدقه ، والنادر كذبه ، وقد ألغاه الشارع ، وألغى كذبه ، ولم يحكم بواحد منهما .

( الخامس عشر ) شهادة العدل المبرز لوالده الغالب صدقه ، ولم يحكم الشرع بصدقه ولا بكذبه بل ألغاهما جملة .

( السادس عشر ) شهادة العدل المبرز على خصمه الغالب صدقه ، وقد ألغى الشارع صدقه وكذبه .

( السابع عشر ) شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل ، وشهادة الإنسان لنفسه مطلقا إذا وقعت من العدل المبرز الغالب صدقه ، وقد ألغاه الشارع في صدقه وكذبه

( الثامن عشر ) حكم القاضي لنفسه ، وهو عدل مبرز من أهل التقوى والورع الغالب أنه إنما حكم بالحق ، والنادر خلافه ، وقد ألغى الشرع ذلك الحكم ببطلانه وصحته معا

( التاسع عشر ) القرء الواحد في العدد الغالب معه براءة الرحم ، والنادر شغله ، ولم يحكم الشارع بواحد منهما حتى ينضاف إليه قرءان آخران .

( العشرون ) من غاب عن امرأته سنين ثم طلقها أو مات عنها الغالب براءة رحمها ، والنادر شغله بالولد ، وقد ألغاهما صاحب الشرع معا ، وأوجب عليها استئناف العدة بعد الوفاء أو الطلاق لأن وقوع الحكم قبل سببه غير معتد به ، ونظائر في الشرع كثيرة من الغالب ألغاه صاحب الشرع ، ولم يعتبره ، وتارة بالغ في إلغائه فاعتبر نادره دونه كما تقدم بيانه فهذه أربعون مثالا قد سردتها في ذلك من أربعين جنسا فهي أربعون جنسا قد ألغيت ( فإن قلت ) أنت تعرضت للفرق بين ما ألغي منه ، وما لم يلغ ، ولم تذكره بل ذكرت [ ص: 111 ] أجناسا ألغيت خاصة فما الفرق ، وكيف الاعتماد في ذلك

( قلت ) الفرق في ذلك المقام لا يتيسر على المبتدئين ، ولا على ضعفة الفقهاء ، وكذلك ينبغي أن يعلم أن الأصل اعتبار الغالب ، وهذه الأجناس التي ذكرت استثناؤها على خلاف الأصل ، وإذا وقع لك غالب ، ولا تدري هل هو من قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص ، والفتاوى استقراء حسنا مع أنك تكون حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر ، وهذا الفرق لا يحصل إلا لمتسع في الفقهيات والموارد الشرعية ، وإنما أوردت هذه الأجناس حتى تعتقد أن الغالب وقع معتبرا شرعا ، ونجزم أيضا بشيئين

( أحدهما ) أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق بالغالب

( ثانيهما ) قول الفقهاء إذا اجتمع الأصل ، والغالب فهل يغلب الأصل على الغالب أو الغالب على الأصل قولان فقد ظهر لك أجناس كثيرة اتفق الناس فيها على تقديم الأقل ، وألغاه الغالب في القسم الأول الذي اعتبرنا رده فلا تكون تلك الدعوى على عمومها ، وقد أجمع الناس أيضا على تقديم الغالب على الأول في أمر البينة فإن الغالب صدقها ، والأصل براءة الذمة ، ومع ذلك تقدم البينة إجماعا فهو أيضا تخصيص لعموم تلك الدعوى فهذا هو المقصود من بيان هذا الفرق والتنبيه على هذه المواطن .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الفرق الحادي والأربعون والمائتان بين قاعدة ما اعتبر من الغالب وبين ما ألغي من الغالب أما مع اعتبار النادر أو مع إلغائه أيضا ) :

وذلك كما في الأصل ، وسلمه أبو القاسم بن الشاط أن الفرق بينهما لا يتيسر على المبتدئين ، ولا على ضعفة الفقهاء بل لا يحصل إلا لمتسع في الفقيهات ، والموارد الشرعية ، وذلك أن الأصل اعتبار الغالب ، وتقديمه على النادر ، وهو شأن الشريعة ، وأمثلته لا تحصى كثرة منها تقديم طهارة المياه ، وعقود المسلمين لأنه الغالب ومنها أنه يقصر في السفر ، ويفطر بناء على غالب الحال ، وهو المشقة ومنها أنه يمنع شهادة الأعداء ، والخصوم لأن الغالب منهم الحيف ، ولكن جرى على خلاف هذا الأصل أجناس كثيرة استثنيت منه ستتضح لك فإذا وقع لك غالب ، ولا تدري هل هو من قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص ، والفتاوى استقراء حسنا ، ولا يتأتى لك ذلك إلا إذا كنت حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا تحققت بذلك إلغاؤه فذاك ظاهر ، وإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر ، والأجناس المستثناة من هذا الأصل على قسمين

( القسم الأول ) ما ألغى الشرع فيه الغالب ، وقدم النادر عليه أي أثبت الشرع فيه حكم النادر دون حكم الغالب رحمة بالعباد

( والقسم الثاني ) ما ألغى الشرع فيه الغالب ، والنادر معا رعاية للضرورة ورحمة بالعباد ، ولكل واحد من القسمين أمثلة كثيرة في الشريعة تفتقر على التمثيل لكل منهما بعشرين مثالا في الوصلين الاثنين لتجزم بشيئين أحدهما أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر [ ص: 171 ] والغالب فإنه يلحق بالغالب ليس على إطلاقه قلت بل مقيد بثلاثة قيود : ( الأول ) أن يطرد الغالب بمخالفة الأصل الثاني أن تكثر أسبابه الثالث أن لا يكون مع النادر ما يعتضد به ، وإلا قدم على الغالب عملا بالترجيح لتعينه كما يؤخذ مما نقله العطار على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي

( الثاني ) أن قول الفقهاء إذا اجتمع الأصل ، والغالب فهل يغلب الأصل على الغالب أو الغالب على الأصل قولان ليس على عمومه ، وفي العطار على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي بل لجريان القولين ثلاثة شروط الأول أن لا تطرد العادة بمخالفة الأصل ، وإلا قدم حكم العادة ، والغالب قطعا ، ومن ذلك الماء الهارب في الحمام لاطراد العادة بالبول فيه

( الثاني ) أن تكثر أسباب الظاهر ، والغالب فإن ندرت لم ينظر إليه قطعا ، ومن ذلك ما إذا تيقن الطهارة ، وغلب على ظنه الحدث اتفق أصحاب الشافعي على أن له الأخذ بالوضوء ، ولم يجروا فيه القولين كما أجروهما فيما يغلب على الظن نجاسته هل يحكم بنجاسته ، وفرق الإمام الشافعي بأن الأسباب التي تظهر بالنجاسة كثيرة جدا ، وهي قليلة في الأحداث ، ولا أثر للنادر ، والتمسك باستصحاب اليقين أولى

( الثالث ) أن لا يكون مع أحدهما ما يعتضد به ، وإلا فالعمل بالترجيح متعين قال الزركشي فإذا جزمت بذلك علمت أن الضابط فيما يجري قولان فيه ، وما لا يجريان فيه هو أنه إذا كان الظاهر ، والغالب حجة يجب قبولها شرعا كالشهادة والرواية والأخبار فهو مقدم الأصل قطعا ، وإذا لم يكن الظاهر ، والغالب حجة بل كان سنده العرف أو القرائن أو غلبة الظن فهذه يتفاوت أمرها فتارة يعمل بالأصل قطعا ، وتارة يعمل بالظاهر ، والغالب قطعا ، وتارة يخرج الخلاف هل يقدم الأصل على الصحيح أو لا أو الظاهر ، والغالب على الصحيح أولا فهذه أربعة أقسام

( الأول ) ما قطعوا فيه بالظاهر كالبينة فإن الأصل براءة ذمة المشهود عليه ، ومع ذلك يلزمه المال المشهود به قطعا لأن الغالب صدق البينة ، وهي حجة وكاليد في الدعوى فإن الأصل عدم الملك ، والظاهر من اليد الملك ، وهو ثابت بالإجماع

( الثاني ) ما قطعوا فيه بالأصل وإلغاء القرائن الظاهرة كما لو تيقن الطهارة ، وشك في الحدث أو ظنه فإنه يبنى على تيقن الطهارة عملا بالأصل أو شك في طلوع الفجر في رمضان فإنه يباح له الأكل حتى يتيقن طلوعه أو اختلط الحرام بالحلال وكان الحرام مغمورا أو اشتبه عليه محرمه بنسوة قرية كبيرة فإن له نكاح من شاء منهن فإن الأصل الإباحة ، وأشبهت ميتة بمذكاة بلد أو إناء بول بأواني بلد فله أخذ بعضها بالاجتهاد قطعا

( الثالث ) ما فيه خلاف ، والأصح تقديم الظاهر كما لو شك بعد الصلاة في ترك فرض منها فلا يؤثر على المشهور لأن الظاهر جريانها على الصحة ، وإن كان الأصل عدم إتيانه به وكذا حكم غيرها من العبادات كالوضوء والصوم والحج وكاختلاف المتعاقدين في الصحة والفساد فالقول لمدعي الصحة على الأظهر لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة ، وإن كان الأصل عدمها ، وكما إذا قال أنت طالق أنت طالق أنت طالق ، ولم يقصد تأكيدا ، ولا استئنافا بل أطلق فالأظهر يقع ثلاث لأنه موضع الإيقاع اللفظ الأول ، ولهذا يقال إذا دار الأمر بين التأسيس والتوكيد فالتأسيس أولى ، وهذا يرجع إلى الحمل على الظاهر ، ووجه مقابله أن الأصل المتيقن عدم ذلك

( الرابع ) ما فيه خلاف ، والأصح تقديم الأصل ، ومن أمثلته ما لو شك في صلاة يوم من الأيام الماضية هل صلاها أم لا قال الروياني إن كان مع بعد الزمان لأن الإنسان لا يقدر على ضبط ما يقع منه في [ ص: 172 ] الماضي ، ويغيب عليه تذكره ، وإن كان مع قرب الزمان كمن شك في آخر الأسبوع في صلاة يوم من أوله وجبت الإعادة قال بعضهم : وينبغي حمل كلام الروياني على من كانت عادته مواظبة الصلاة أما من اعتاد تركها أو بعضها فالظاهر وجوب الإعادة عليه ، وهذا متعين لا بد منه ومنها ثياب مدمني النجاسة وطين الشارع الذي يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسة ، والمقابر التي يغلب نبشها فالأصح الطهارة ، ولطين الشارع أصول يبنى عليها

( أحدهما ) ما ذكر من تعرض الأصل ، والظاهر ، وهو الذي اقتصر عليه الأصحاب

( ثانيهما ) طهارة الأرض بالجفاف والريح والشمس على القديم

( ثالثها ) طهارة النجاسة بالاستحالة إذا استهلكت فيها عين النجاسة ، وصارت طينا ، وأما الذي يظن نجاسة ، ولا نتيقن طهارته فقال المتولي والروياني أنه على القولين ، وخالفهما النووي فقال المختار الجزم بطهارته ومنها ما لو اختلفا في ولد الأمة المبيعة فقال البائع وضعته قبل العقد ، وقال المشتري بل بعده قال الإمام في آخر النهاية كتب الحليمي إلى الشيخ أبو زيد يسأله عن ذلك فأجاب بأن قول البائع لأن الأصل بقاء ملكه ، وحكى الدارمي فيها وجهين ا هـ ما نقله العطار في حاشيته على محلي جمع الجوامع عن قواعد الزركشي ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الوصل الأول ) في عشرين مثالا من أمثلة ما ألغي فيه الغالب ، وقدم عليه النادر ( المثال الأول ) غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر فإذا جاء بعد خمس سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون زنا ، وهو الغالب وبين أن يكون تأخر في بطن أمه ، وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنا في الوجود فألغى الشارع الغالب ، وأثبت حكم النادر ، وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم ، وصون أعراضهم عن الهتك

( المثال الثاني ) إذا تزوجت فجاءت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد ، وهو الغالب أو من وطء بعده ، وهو النادر فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر ، وإنما يوضع في السنة سقطا في الغالب فألغى الشارع على حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر ، وجعله من الوطء بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر عليهم وصون أعراضهم

( المثال الثالث ) ندب الشرع للنكاح لحصول الذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله تعالى ، والإقدام على المعاصي ، وعلى رأي أكثر العلماء أن من لم يعرف الله تعالى بالبرهان فهو كافر لم يخالف في هذا إلا أهل الظاهر كما حكاه الإمام في الشامل والإسفراييني ، ومقتضى هذا أن ينهى عن الذرية لغلبة الفساد عليهم فألغى الشرع حكم الغالب ، واعتبر حكم النادر ترجيحا لقليل الإيمان على كثير الكفر ، والمعاصي تعظيما لحسنات الخلق على سيئاتهم رحمة بهم

( المثال الرابع ) طين المطر الواقع في الطرقات ، وممر الدواب والمشي بالأمدسة التي يجلس بها في المراحيض الغالب عليها وجود النجاسة من حيث الجملة ، وإن كنا لا نشاهد عينها ، والنادر سلامتها منها ، ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فيصلي به من غير غسل

( المثال الخامس ) النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات لا سيما نعل مشى بها سنة ، وجلس بها في موضع قضاء الحاجة سنة ونحوها فالغالب عليها النجاسة والنادر سلامتها من النجاسة ، ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر فجاءت السنة بالصلاة في النعال حتى قال بعضهم إن قلع النعال في الصلاة بدعة ذلك رحمة وتوسعة على العباد

( المثال السادس ) الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم لها ، والنادر سلامتها ، وقد جاءت السنة بصلاته عليه السلام بأمامة [ ص: 173 ] يحملها في الصلاة إلغاء لحكم الغالب ، وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد

( المثال السابع ) ثياب الكفار التي ينسجونها بأيديهم مع عدم تحرزهم من النجاسات بل الغالب نجاسة أيديهم لما يباشرونه عند حاجة الإنسان ، ومباشرتهم الخمور والخنازير ولحوم الميتات ، وجميع أوانيهم نجسة بملابسة ذلك ، ويباشرون النسج والعمل مع بلة أيديهم وعرقها حالة العمل ، ويبلون تلك الأمتعة بالنشاء وغيره مما يقوي لهم الخيوط ، ويعينهم على النسج فالغالب نجاسة هذا القماش ، والنادر سلامته من النجاسة ، وقد سئل عنه مالك فقال ما أدركت أحدا يتحرز من الصلاة في مثل هذا فأثبت الشارع حكم النادر ، وألغى حكم الغالب ، وجوز لبسه توسعة على العباد

( المثال الثامن ) ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم ، وبأيديهم فالغالب نجاسته لما تقدم ، والنادر طهارته ، ومع ذلك أثبت الشرع حكم النادر ، وألغى حكم الغالب فجوزا كله توسعة على العباد

( المثال التاسع ) الغالب على ما يصنعه المسلمون الذين لا يصلون ، ولا يستنجون بالماء ، ولا يتحرزون من النجاسات من الأطعمة نجاستها ، والنادر سلامتها فألغى الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر ، وجوز أكلها توسعة ورحمة للعباد

( المثال العاشر ) الغالب على ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم النجاسة ، وقد أثبت الشرع حكم النادر ، وألغى حكم الغائب فجوز الصلاة فيه لطفا بالعباد

( المثال الحادي عشر ) الغالب نجاسته ما يصبغه أهل الكتاب بل هو أشد مما ينسجونه لكثرة الرطوبات الناقلة للنجاسة ، ومع ذلك ألغى الشرع حكم الغالب وأثبت حكم النادر رفقا بالعباد فجوز الصلاة فيها

( المثال الثاني عشر ) الغالب نجاسة ما يصنعه عوام المسلمين الذين لا يصلون ، ولا يتحرزون من النجاسات ، والنادر سلامته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب توسعة ولطفا بالعباد

( المثال الثالث عشر ) الغالب نجاسة ما يلبسه الناس ، ويباع في الأسواق ، ولا يعلم كون لابسه كافرا أو مسلما يحتاط ويتحرز أو لا ؟ ، وهو الغالب على أهل البلاد فإن غالبهم عوام وفسقة ، وتراك صلاة ، ومن لا يتحرز من النجاسات ، والنادر سلامته فألغى الشرع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد

( المثال الرابع عشر ) الغالب مصادفة الحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما قد لبست يمشي عليها الحفاة ، والصبيان ، ومن يصلي ، ومن لا يصلي ، والنادر سلامتها ، ومع ذلك قد جاءت السنة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء ، والنضح لا يزيل النجاسة بل ينشرها فقدم الشرع حكم النادر على حكم الغالب

( المثال الخامس عشر ) الغالب مصادفة الحفاة النجاسة لا سيما في الطرقات ومواضع قضاء الحاجات ، والنادر سلامتهم ، ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافي من غير غسل رجليه كما جوز الصلاة بالنعل فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمشي حافيا ، ولا يعيب ذلك في صلاته لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنعله ، ومعلوم أن الحفاء أخف من تحمل النجاسة من النعل فقدم الشارع حكم النادر على حكم الغالب توسعة على العباد

( المثال السادس عشر ) الغالب صدق الصالح الولي التقي في دعواه على الفاجر الشقي الظالم أنه غصب منه درهما ، والنادر كذبه ، ومع ذلك جعل الشرع القول قول الفاجر فقدم حكم النادر على الغالب لطفا بالعباد بإسقاط الدعاوى عنهم ، واندراج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة

( المثال السابع عشر ) الغالب استمرار الكفار على الكفر ، وموتهم عليه بعد الاستمرار فألغى الشارع حكمه ، وأثبت حكم النادر [ ص: 174 ] وهو توقع إسلام بعضهم فعقد الجزية لذلك التوقع النادر رحمة بالعباد في عدم تعجيل القتل وحسم مادة الإيمان عنهم

( المثال الثامن عشر ) الغالب في إشغال الناس بالعلم أن يكون وسيلة للرياء وعدم الإخلاص ، والنادر أن يكون وسيلة للإخلاص فلم يعتبر الشارع حكم الغالب الذي هو النهي عنه لأن وسيلة المعصية معصية ، وأثبت حكم النادر فرغب في الاشتغال بالعلم رحمة بالعباد

( المثال التاسع عشر ) أحد المتداعيين والمتلاعنين كاذب قطعا ، والغالب أن يعلم الكاذب منهما بكذبه فيكون تحليفه سعيا في وقوع اليمين الفاجرة المحرمة فيكون حراما غايته أنه يعارضه أخذ الحق ، وإلجاؤه إليه ، وذلك إما مباح أو واجب ،

. وإذا تعارض الواجب والمحرم قدم المحرم ، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب ، وأثبت حكم النادر الذي هو وقوع شبهة لكل واحد من المتداعيين أو المتلاعنين لطفا بالعباد على تخليص حقوقهم والستر عليهم .

( المثال العشرون ) غالب الموت في الشباب قال الغزالي في الإحياء ، ولذلك الشيوخ أقل يعني أنه لو كان الشباب يعيشون لصاروا شيوخا فتكثر الشيوخ فلما كان الشيوخ في الوجود أقل كان موت الإنسان شابا أكثر ، وحياته للشيخوخة نادرا ، ومع ذلك شرع صاحب الشرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد في إبقاء مصالحهم عليهم قال الأصل ونظائر هذا الباب كثيرة في الشريعة فينبغي أن تتأمل وتعلم فقد غفل قوم في الطهارات فدخل عليهم الوسواس ، وهم يعتقدون أنهم على قاعدة شرعية هي الحكم بالغالب نعم هو غالب كما قالوا من حيث إنهم يعتقد أن الغالب على الناس والأواني والكتب وغير ذلك مما يلابسونه النجاسة فيغسلون ثيابهم وأنفسهم من جميع ذلك بناء على القاعدة الشرعية ، وهي الحكم بالغالب ، ولم يفهموا بأن هذا ، وإن كان هو الغالب كما قالوا لكن الشارع ألغى حكمه ، وقدم عليه حكم النادر ، وإن كان مرجوحا في النفس ، وظنه معدوم بالنسبة للظن الناشئ عن الغالب إذ لصاحب الشرع أن يصنع في شرعه ما شاء ، ويستثني من قواعده ما يشاء هو الأعلم بمصالح عباده فينبغي لمن قصد إثبات حكم الغالب دون النادر أن لا يعتمد عليه مطلقا كيف كان بل حتى ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا إذ الاعتماد على مطلق الغالب كيف كان في جميع صوره خلاف الإجماع ا هـ ، وسلمه ابن الشاط .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( تنبيه ) قال الأصل وسلمه ابن الشاط حمل اللفظ على حقيقته دون مجازه ، وعلى العموم دون الخصوص ، وإن أمكن أن يقال إنه من باب تقديم النادر على الغالب نظرا لغلبة المجاز على الحقيقة في كلام العرب حتى قال ابن جني : كلام العرب كله مجاز ، وغلبة الخصوصات على العمومات حتى روي عن ابن عباس أنه قال ما من عام إلا وقد خص إلا قوله تعالى { والله بكل شيء عليم } وحينئذ فينبغي إذا ظفرنا بلفظ ابتداء أن نحمله على مجازه تغليبا للغالب على النادر ، وأن نحمل العموم ابتداء على التخصيص لأنه الغالب فحيث عكسنا وحملنا اللفظ ابتداء على حقيقته ، والعموم ابتداء على العموم كان ذلك تغليبا للنادر على الغالب إلا أن التحقيق أن ذلك ليس من هذا الباب ، وذلك لأن شرط الفرد المتردد بين النادر والغالب فيحمل على الغالب أن يكون من جنس الغالب ، وإلا فلا يحمل على الغالب .

وبيانه بالمثال أن الشقة إذا جاءت من [ ص: 175 ] القصار جاز أن تكون طاهرة وهو الغالب أو نجسة بأن يصيبها بول فأر أو غيره من الحيوان وهو النادر فإنا لو كنا نحكم بطهارتها بناء على الغالب لأنا قد حكمنا بطهارة الثياب المقصورة لأنها خرجت من القصارة لكان هذا الثوب المتردد بين النادر والغالب الذي خرج من القصارة من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فيحكم به .

وأما لو كنا لا نقضي بطهارة الثياب المقصورة لكونها خرجت من القصارة بل نقضي بطهارتها لأنها تغسل بعد ذلك لم يكن هذا الثوب المتردد بين النادر ، والغالب الذي لم يغسل بعد ذلك من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته فلا نقضي بطهارته لأجل عدم الغسل بعد القصارة الذي لأجله حكمنا بالطهارة وكذا يقال في الألفاظ فإذا لم نقض على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص بمجرد كونه لفظا بل نقض عليه بذلك لأجل اقترانه بالقرينة الصادقة من الحقيقة إلى المجاز واقترانه بالمخصص الصارف عن العموم للتخصيص كان هذا اللفظ الوارد ابتداء الذي حملناه على حقيقته دون مجازه ، والعموم دون الخصوص ليس معه صارف من قرينة صارفة عن الحقيقة .

ولا مخصص صارف عن العموم فهو حينئذ ليس من ذلك الغالب فلو حملناه على المجاز أو التخصيص لحملناه على غير غالب فإنه لم يوجد لفظ من حيث هو لفظ حمل على المجاز ، ولا على الخصوص ألبتة فضلا عن كونه غالبا بل هو اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها ليس فيها غالب ونادر بل شيء واحد ، وهو الحقيقة مطلقا ، والعموم مطلقا فتأمل ذلك فهو شرط خفي في حمل الشيء على غالبه دون نادره ليظهر لك جليا أن حمل اللفظ على حقيقة دون مجاز ابتداء ، والعموم دون الخصوص ابتداء ليس من باب الحمل على النادر دون الغالب فهذا سؤال حسن لقد أوردته على جمع كثير من الفضلاء قديما وحديثا فلم يحصل عنه جواب ، وهذا جوابه حسن جدا ا هـ .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الوصل الثاني ) فيه عشرين مثالا من أمثلة ما ألغى الشارع فيه الغالب والنادر معا ( المثال الأول ) الغالب صدق شهادة الصبيان في الأموال إذا كثر عددهم جدا ، والنادر كذبهم فأهملهم الشرع ، ولم يعتبر صدقهم ، ولا قضى بكذبهم رحمة بالعباد ولطفا بالمدعى عليه ، وأما في الجراح والقتل فقبلهم مالك وجماعة للضرورة كما تقدم بيانه

( المثال الثاني ) الغالب صدق الجمع الكثير من جماعة النسوان في أحكام الأبدان ، والنادر كذبهم لا سيما مع العادلة فألغى صاحب الشرع صدقهن ، ولم يحكم به ، ولا حكم بكذبهن لطفا بالمدعى عليه

( المثال الثالث ) الغالب صدق الجمع الكثير من الكفار والرهبان والأحبار إذا شهدوا ، والنادر كذبهم فألغى صاحب الشرع صدقهم لطفا بالمدعى عليه ، ولم يحكم بكذبهم

( المثال الرابع ) الغالب صدق شهادة الجمع الكثير من الفسقة ، والنادر كذبهم فلم يحكم الشرع بصدقهم لطفا بالمدعى عليه ، ولم يحكم بكذبهم

( المثال الخامس ) الغالب صدق شهادة ثلاثة عدول في الزنا فلم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه ، ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفوه لا من حيث إنهم شهود زور

( المثال السادس ) الغالب صدق شهادة العدل الواحد في أحكام الأبدان ، والنادر كذبه فلم يحكم الشرع بصدقه لطفا بالعباد ورحمة بالمدعى عليه ، ولم يكذبه

( المثال السابع ) الغالب صدق حلف المدعي الطالب ، وهو من أهل الخير والصلاح ، والنادر كذبه فلم يقض الشارع بصدقه فيحكم له بيمينه بل اشترط في الحكم له البينة ، ولم يحكم بكذبه لطفا بالمدعى عليه [ ص: 176 ]

( المثال الثامن ) الغالب صدق الجمع الكثير في الرواية بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين لتحريم الكذب في دينهم ، والنادر كذبهم فلم يعتبر الشرع صدقهم لطفا بالعباد وسدا لذريعة أن يدخل في دينه ما ليس منه

( المثال التاسع ) الغالب صدق رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس ونهبة الأموال ، وهم رؤساء عظماء في الوجود إذا اجتمعوا على الرواية الواحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سيما إن منعوا من الكذب لوازع طبيعي لا تدينا لم يقبل الشرع روايتهم صونا للعباد عن أن يدخل في دينهم ما ليس منه بل جعل الضابط العدالة ، ولم يحكم بكذبهم

( المثال العاشر ) الغالب صدق الجمع الكثير من الجاهلين في روايتهم للحديث النبوي ، والنادر كذبهم فلم يحكم الشرع بصدقهم ولا بكذبهم لطفا بالعباد

( المثال الحادي عشر ) الغالب أن يكون أخذ السراق المتهمين بالتهم وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمراء اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة مصادفا للصواب ، والنادر خطؤهم ، ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع

( المثال الثاني عشر ) الغالب أن يكون أخذ الحاكم بقرائن الأحوال من التظلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد مصادفا للحق ، والنادر خطؤه ، ومع ذلك منعه الشارع منه وحرمه إذ لا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه

( المثال الثالث عشر ) الغالب على من وجد بين فخذي امرأة ، وهو متحرك حركة الواطئ وطال الزمان في ذلك أنه قد أولج ، والنادر عدم ذلك فلم يحكم الشارع بوطئه ولا بعدمه إذا شهد عليه بذلك ، وألغى هذا الغالب سترا على العباد

( المثال الرابع عشر ) الغالب صدق شهادة العدل المبرز لولده ، والنادر كذبه فلم يحكم الشرع بصدقه ، ولا بكذبه بل ألغاها جملة

( المثال السادس عشر ) الغالب صدق شهادة العدل المبرز على خصمه ، والنادر كذبه فألغى الشارع صدقه وكذبه

( المثال السابع عشر ) الغالب صدق شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل ، وصدق شهادة الإنسان لنفسه مطلقا إذا وقعت من العدل المبرز ، والنادر كذبه فيها فألغى الشارع صدقه وكذبه

( المثال الثامن عشر ) الغالب أن حكم القاضي لنفسه وهو عدل مبرز من أهل التقوى والورع إنما يكون بالحق ، والنادر أن يكون بخلافه فألغى الشرع اعتبار صحة ذلك الحكم وبطلانه معا

( المثال التاسع عشر ) الغالب القرء الواحد في العدد براءة الرحم ، والنادر شغله معه فألغى الشارع اعتبار واحد منهما ، ولم يحكم ببراءة الرحم معه حتى ينضم إليه قرءان آخران

( المثال العشرون ) الغالب براءة رحم من غاب عنها زوجها سنين ثم طلقها أو مات عنها ، والنادر شغله بالولد فألغى الشرع اعتبار واحد منهما ، وأوجب عليها استئناف العدة بعد الوفاة أو الطلاق لأن وقوع الحكم قبل سببه غير معتد به قال ونظائر هذا الغالب الذي ألغاه صاحب الشرع ، ولم يعتبره - إما مع المبالغة في إلغائه بعدم اعتبار نادره أيضا كما هنا ، وإما مع المبالغة في إلغائه باعتبار نادره دونه كما تقدم - كثيرة في الشرع ، وهذه أربعون مثالا قد سردت في ذلك من أربعين جنسا فهي أربعون جنسا ألغيت ا هـ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث