الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل

وأما حديث الرضا بالقضاء فيقال :

أولا : بأي كتاب ، أم بأي سنة ، أم بأي معقول علمتم وجوب الرضا بكل ما يقضيه ويقدره ؟ بل بجواز ذلك ، فضلا عن وجوبه ؟ هذا كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأدلة العقول ، ليس في شيء منها الأمر بذلك ، ولا إباحته .

بل من المقضي ما يرضى به ، ومنه ما يسخطه ويمقته ، فلا نرضى بكل قضاء كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه ، بل من القضاء ما يسخطه ، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ، ويمقت عليه ، ويلعن ويذم .

ويقال ثانيا : هاهنا أمران قضاء وهو فعل قائم بذات الرب تعالى ، ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه ، فالقضاء خير كله ، وعدل وحكمة ، فيرضى به كله ، والمقضي [ ص: 269 ] قسمان : منه ما يرضى به ، ومنه ما لا يرضى به .

وهذا جواب من يقول : الفعل غير المفعول ، والقضاء غير المقضي .

وأما من يقول : إن الفعل هو عين المفعول ، والقضاء هو عين المقضي ، فلا يمكنه أن يجيب بهذا الجواب .

ويقال ثالثا : القضاء له وجهان :

أحدهما : تعلقه بالرب تعالى ، ونسبته إليه ، فمن هذا الوجه يرضى به كله .

الوجه الثاني : تعلقه بالعبد ونسبته إليه فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما يرضى به ، وإلى ما لا يرضى به .

مثال ذلك : قتل النفس - مثلا - له اعتباران ، فمن حيث إنه قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه ، وجعله أجلا للمقتول ، ونهاية لعمره يرضى به ، ومن حيث إنه صدر من القاتل ، وباشره وكسبه ، وأقدم عليه باختياره ، وعصى الله بفعله يسخطه ولا يرضى به .

فهذه نهاية أقدام العالم ، المقرين بالنبوات في هذه المسألة ، ومفترق طرقهم ، قد حصرت لك أقوالهم ومآخذهم ، وأصول تلك الأقوال ، بحيث لا يشذ منها شيء ، وبالله التوفيق .

ولا تنكر الإطالة في هذا الموضع ، فإنه مزلة أقدام الخلق ، وما نجا من معاطبه إلا أهل البصائر والمعرفة بالله وصفاته وأمره وشرائعه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث