الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما ذكر في الصلاة بعد المغرب أنه في البيت أفضل

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما ذكر في الصلاة بعد المغرب أنه في البيت أفضل

604 حدثنا محمد بن بشار حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير البصري ثقة حدثنا محمد بن موسى عن سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني عبد الأشهل المغرب فقام ناس يتنفلون فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بهذه الصلاة في البيوت قال أبو عيسى هذا حديث غريب من حديث كعب بن عجرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه والصحيح ما روي عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الركعتين بعد المغرب في بيته قال أبو عيسى وقد روي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة ففي الحديث دلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد

التالي السابق


قوله : ( أخبرنا إبراهيم بن أبي الوزير ) هو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي مولاهم [ ص: 180 ] أبو إسحاق بن أبي الوزير المكي نزيل البصرة صدوق من التاسعة قال الحافظ : وقال في الخلاصة : روى عن عبد الرحمن ابن الغسيل ونافع بن عمر ومالك ، وعنه ابن المثنى وابن بشار . قال أبو حاتم : لا بأس به .

( أخبرنا محمد بن موسى ) بن أبي عبد الله الفطري بكسر الفاء وسكون الطاء المدني مولاهم ، روى عن المقبري ويعقوب بن سلمة الليثي وعون بن محمد ابن الحنفية ، وروى عنه عبد الرحمن بن أبي الموال وابن مهدي وابن أبي فديك وأبو المطرف بن أبي الوزير وإبراهيم بن أبي عمر بن أبي الوزير وغيرهم .

قال أبو حاتم : صدوق صالح الحديث كان يتشيع . وقال الترمذي : ثقة ، وقال أبو جعفر الطحاوي : محمود في روايته ، كذا في التقريب وتهذيب التهذيب ( عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ) البلوي المدني حليف الأنصار ، ثقة من الخامسة ( عن أبيه ) هو إسحاق بن كعب بن عجرة ، قال الذهبي في الميزان : إن إسحاق بن كعب تابعي مستور ، تفرد بحديث سنة المغرب وهو غريب جدا ، انتهى .

وقال الحافظ في التقريب : مجهول الحال قتل يوم الحرة ( عن جده ) هو كعب بن عجرة صحابي مشهور مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون .

قوله : ( في مسجد بني عبد الأشهل ) هم طائفة من الأنصار ( فقام ناس يتنفلون ) وفي رواية أبي داود فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون بعدها ( عليكم بهذه الصلاة ) أي النوافل ( في البيوت ) وفي رواية أبي داود : هذه صلاة البيوت . قال القاري في المرقاة : هذا إرشاد لما هو الأفضل ، والظاهر أن هذا إنما هو لمن يريد الرجوع إلى بيته بخلاف المعتكف في المسجد فإنه يصليها فيه ولا كراهة بالاتفاق .

قوله : ( هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ) قد عرفت أن إسحاق بن كعب مستور وقد تفرد هو بهذا الحديث ، وحديث كعب بن عجرة هذا أخرجه أيضا أبو داود والنسائي .

قوله : ( والصحيح ما روي عن ابن عمر قال : كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي الركعتين بعد [ ص: 181 ] المغرب في بيته ) أخرجه البخاري بلفظ : قال : حفظت من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر ركعات : ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب في بيته ، وركعتين بعد العشاء في بيته الحديث ، وفي لفظ له : وأما المغرب والعشاء ففي بيته .

واستدل به على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد بخلاف رواتب النهار ، وحكي ذلك عن مالك والثوري : وفي الاستدلال به على ذلك نظر ، والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد وإنما كان -صلى الله عليه وسلم- يتشاغل بالناس في النهار غالبا وبالليل يكون في بيته غالبا . وأغرب ابن أبي ليلى فقال : لا تجزي سنة المغرب في المسجد ، حكاه عبد الله بن أحمد عنه عقب روايته لحديث محمود بن لبيد رفعه : أن الركعتين بعد المغرب من صلاة البيوت ، وقال : إنه حكى ذلك لأبيه عن ابن أبي ليلى فاستحسنه . كذا في فتح الباري .

قلت : في مسند الإمام أحمد : حدثنا عبد الله ، حدثني أبي ، حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري ، عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل قال : أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى بنا المغرب في مسجدنا ، فلما سلم منها قال : اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم للسبحة بعد المغرب ، انتهى .

والظاهر أن إسناده حسن . ويعقوب هذا هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري ، وفيه في روايته الأخرى : قال أبو عبد الرحمن هو عبد الله ابن الإمام أحمد : قلت لأبي : إن رجلا قال : من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تجزه إلا أن يصليهما في بيته ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : " هذه من صلوات البيوت " . قال : من قال هذا؟ قلت : محمد بن عبد الرحمن ، هو ابن أبي ليلى قال : ما أحسن ما قال ، أو : ما أحسن ما انتزع انتهى . ففي قول الحافظ : والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد إلخ . نظر ظاهر .

قوله : ( وقد روي عن حذيفة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة ) في مسند أحمد ص 404 جزء 5 حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا زيد بن الحباب ، أنبأنا إسرائيل ، أخبرني ميسرة بن حبيب ، عن المنهال ، عن زر بن حبيش ، عن حذيفة قال : قالت لي أمي : متى عهدك بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث وفيه : فجئته فصليت معه المغرب فلما قضى الصلاة قام يصلي فلم يزل يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج انتهى . وإسناده حسن ( ففي هذا الحديث دلالة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد ) وروى أبو داود في سننه عن [ ص: 182 ] ابن عباس قال : كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطيل القراءة بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد ، ففي هذا الحديث أيضا دلالة على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد ، لكن في سنده يعقوب بن عبد الله القمي .

قال المنذري : قال الدارقطني : ليس بالقوي . انتهى . فطريق الجمع بين هذه الأحاديث أن يقال : إنه يجوز فعل الركعتين بعد المغرب في المسجد ، والأولى والأفضل أن تصليا في البيت ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث