الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( 1383 ) مسألة : قال : ( وتجب الجمعة على من بينه وبين الجامع فرسخ ) هذا في حق غير أهل المصر ، أما أهل المصر فيلزمهم كلهم الجمعة ، بعدوا أو قربوا . قال أحمد : أما أهل المصر فلا بد لهم من شهودها ، سمعوا النداء أو لم يسمعوا ; وذلك لأن البلد الواحد بني للجمعة ، فلا فرق بين القريب والبعيد ، ولأن المصر لا يكاد يكون أكثر من فرسخ ، فهو في مظنة القرب ، فاعتبر ذلك . وهذا قول أصحاب الرأي ، ونحوه قول الشافعي .

فأما غير أهل المصر ، فمن كان بينه وبين الجامع فرسخ فما دون ، فعليه الجمعة ، وإن كان أبعد فلا جمعة عليه . وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وهو قول مالك ، والليث . وروي عن عبد الله بن عمرو ، قال : الجمعة على من سمع النداء . وهذا قول الشافعي ، وإسحاق ; لما روى عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الجمعة على من سمع النداء } رواه أبو داود .

والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو ولأن النبي صلى الله عليه وسلم { قال للأعمى الذي قال : ليس لي قائد يقودني : أتسمع النداء ؟ قال : نعم . قال : فأجب } . ولأن من سمع النداء داخل في عموم قول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من [ ص: 107 ] يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } .

وروي عن ابن عمر ، وأبي هريرة ، وأنس ، والحسن ، ونافع ، وعكرمة ، والحكم وعطاء ، والأوزاعي ، أنهم قالوا : الجمعة على من آواه الليل إلى أهله ; لما روى أبو هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الجمعة على من آواه الليل إلى أهله } . وقال أصحاب الرأي : لا جمعة على من كان خارج المصر ; لأن عثمان رضي الله عنه صلى العيد في يوم جمعة ، ثم قال لأهل العوالي : من أراد منكم أن ينصرف فلينصرف ، ومن أراد أن يقيم حتى يصلي الجمعة فليقم .

ولأنهم خارج المصر ، فأشبه أهل الحلل . ولنا ، قول الله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } . وهذا يتناول غير أهل المصر إذا سمعوا النداء ، وحديث عبد الله بن عمرو ، ولأن غير أهل المصر يسمعون النداء ، وهم من أهل الجمعة ، فلزمهم السعي إليها ، كأهل المصر .

وحديث أبي هريرة غير صحيح ، يرويه عبد الله بن سعيد المقبري ، وهو ضعيف ، قال أحمد بن الحسن : ذكرت هذا الحديث لأحمد بن حنبل ، فغضب ، وقال : استغفر ربك ، استغفر ربك . وإنما فعل أحمد هذا ، لأنه لم ير الحديث شيئا لحال إسناده . قال ذلك الترمذي . وأما ترخيص عثمان لأهل العوالي فلأنه إذا اجتمع عيدان اجتزئ بالعيد ، وسقطت الجمعة عمن حضره ، على ما قررناه فيما مضى .

وأما اعتبار أهل القرى بأهل الحلل فلا يصح ; لأن أهل الحلل غير مستوطنين ، ولا هم ساكنون بقرية ، ولا في موضع جعل للاستيطان .

وأما اعتبار حقيقة النداء فلا يمكن ; لأنه قد يكون من الناس الأصم وثقيل السمع ، وقد يكون النداء بين يدي المنبر ، فلا يسمعه إلا من في الجامع ، وقد يكون المؤذن خفي الصوت ، أو في يوم ذي ريح ، ويكون المستمع نائما أو مشغولا بما يمنع السماع ، فلا يسمع ، ويسمع من هو أبعد منه ، فيفضي إلى وجوبها على البعيد دون القريب ، وما هذا سبيله ينبغي أن يقدر بمقدار لا يختلف ، والموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب - إذا كان المنادي صيتا ، في موضع عال ، والريح ساكنة ، والأصوات هادئة ، والمستمع سميع غير ساه ولا لاه - فرسخ ، أو ما قاربه ، فحد به ، والله أعلم .

( 1384 ) فصل : وأهل القرية لا يخلون من حالين : إما أن يكون بينهم وبين المصر أكثر من فرسخ ، أو لا ، فإن كان بينهم أكثر من فرسخ لم يجب عليهم السعي إليه ، وحالهم معتبر بأنفسهم ، فإن كانوا أربعين واجتمعت فيهم شرائط الجمعة ، فعليهم إقامتها ، وهم مخيرون بين السعي إلى المصر ، وبين إقامتها في قريتهم ، والأفضل إقامتها ; لأنه متى سعى بعضهم أخل على الباقين الجمعة ، وإذا أقاموا حضرها جميعهم ، وفي إقامتها بموضعهم تكثير جماعات المسلمين .

وإن كانوا ممن لا تجب عليهم الجمعة بأنفسهم فهم مخيرون بين السعي إليها ، وبين أن يصلوا ظهرا ، والأفضل السعي إليها ، لينال فضل الساعي إلى الجمعة ويخرج من الخلاف . والحال الثاني ، أن يكون بينهم وبين المصر فرسخ فما دون ، فينظر فيهم ، فإن كانوا أقل من أربعين فعليهم السعي إلى الجمعة ، لما قدمنا .

وإن كانوا ممن تجب عليهم الجمعة بأنفسهم ، وكان موضع الجمعة القريب منهم قرية أخرى ، لم يلزمهم السعي إليها ، وصلوا [ ص: 108 ] في مكانهم ، إذ ليست إحدى القريتين بأولى من الأخرى .

وإن أحبوا السعي إليها ، جاز ، والأفضل أن يصلوا في مكانهم ، كما ذكرنا من قبل . فإن سعى بعضهم فنقص عدد الباقين ، لزمهم السعي ; لئلا يؤدي إلى ترك الجمعة ممن تجب عليه . وإن كان موضع الجمعة القريب مصرا ، فهم مخيرون أيضا بين السعي إلى المصر ، وبين إقامة الجمعة في مكانهم ، كالتي قبلها .

ذكره ابن عقيل . وعن أحمد ، أن السعي يلزمهم ، إلا أن يكون لهم عذر فيصلون جمعة . والأول أصح ; لأن أهل القرية لا تنعقد بهم جمعة أهل المصر ، فكان لهم إقامة الجمعة في مكانهم ، كما لو سمعوا النداء من قرية أخرى ، ولأن أهل القرى يقيمون الجمع في بلاد الإسلام ، وإن كانوا قريبا من المصر ، من غير نكير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث