الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

قوله تعالى : والسابقون الأولون . الآية . أخرج أبو عبيد ، وسنيد، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، عن حبيب بن الشهيد، عن عمرو بن عامر الأنصاري، أن عمر بن الخطاب قرأ : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان) . فرفع "الأنصار" ولم يلحق الواو في (الذين) . فقال له زيد بن ثابت : والذين . فقال عمر : الذين . فقال زيد : أمير المؤمنين أعلم . فقال عمر : [ ص: 494 ] ائتوني بأبي بن كعب . فأتاه، فسأله عن ذلك فقال أبي : والذين . فقال عمر : فنعم إذن . فتابع أبيا .

وأخرج ابن جرير ، وأبو الشيخ ، عن محمد بن كعب القرظي قال : مر عمر برجل يقرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا؟ قال : أبي بن كعب . قال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه . فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال : نعم . قال : وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم . قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا . فقال أبي : وتصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وفي سورة الحشر : والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان وفي "الأنفال" : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم .

وأخرج الحاكم، وأبو الشيخ، عن أبي سلمة، ومحمد بن إبراهيم التيمي، قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فوقف عمر، فقال : انصرف . فانصرف الرجل، فقال : من أقرأك هذه؟ قال : أقرأنيها أبي بن [ ص: 495 ] كعب . قال : فانطلق إليه . فانطلقا إليه، فقال : يا أبا المنذر، أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية . قال : صدق، تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عمر : أنت تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال : نعم . فقال في الثالثة وهو غضبان : نعم، والله لقد أنزلها الله على جبريل، وأنزلها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه . فخرج عمر رافعا يديه، وهو يقول : الله أكبر، الله أكبر .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وأبو نعيم في "المعرفة" عن أبي موسى، أنه سئل عن قوله : والسابقون الأولون قالوا : هم الذين صلوا القبلتين جميعا .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في "المعرفة"، عن سعيد بن المسيب في قوله : والسابقون الأولون قال : هم الذين صلوا القبلتين جميعا؛ وهم أهل بدر .

وأخرج ابن المنذر ، وأبو نعيم ، عن الحسن ، ومحمد بن سيرين، في قوله : والسابقون الأولون قالا : هم الذين صلوا القبلتين جميعا .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس : والسابقون الأولون من المهاجرين [ ص: 496 ] قال : أبو بكر، وعمر، وعلي، وسلمان، وعمار بن ياسر .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في "المعرفة" عن الشعبي في قوله : والسابقون الأولون قال : من أدرك بيعة الرضوان، وأول من بايع بيعة الرضوان سنان بن وهب الأسدي .

وأخرج ابن مردويه عن غيلان بن جرير قال : قلت لأنس بن مالك : هذا الاسم، الأنصار، أنتم سميتموه أنفسكم أو الله سماكم من السماء؟ قال : الله سمانا من السماء .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، والنسائي ، عن معاوية بن أبي سفيان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله .

وأخرج أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار .

وأخرج أحمد عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال : اللهم اغفر للأنصار، [ ص: 497 ] ولأبناء الأنصار، ولأزواج الأنصار، ولذراري الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، ولو أن الناس أخذوا شعبا وأخذت الأنصار شعبا لأخذت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار .

وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، عن الحارث بن زياد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب الأنصار أحبه الله حين يلقاه، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله حين يلقاه .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن قيس بن سعد بن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال : اللهم صل على الأنصار، وعلى ذرية الأنصار، وعلى ذرية ذرية الأنصار .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو سلك الناس واديا وشعبا وسلكتم واديا وشعبا لسلكت واديكم وشعبكم، أنتم شعار والناس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار . ثم رفع يديه حتى إني لأرى بياض إبطيه فقال : اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار .

[ ص: 498 ] وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والترمذي وحسنه، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار، فاعفوا عن مسيئهم، واقبلوا من محسنهم .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن سعد بن عبادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا الحي من الأنصار محنة؛ حبهم إيمان، وبغضهم نفاق .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، ولنساء الأنصار، ولنساء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء أبناء الأنصار .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والترمذي وحسنه، والنسائي عن ابن عباس قال : [ ص: 499 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر .

وأخرج ابن أبي شيبة ، عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم اغفر للأنصار، ولذراري الأنصار، ولذراري ذراريهم، ولمواليهم ولجيرانهم .

وأخرج ابن أبي شيبة ، والبخاري ، ومسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، موالي الله ورسوله، لا مولى لهم غيره .

وأخرج ابن أبي شيبة ، ومسلم ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر .

وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم، فغضبت الأنصار، فأتاهم فقال : يا معشر الأنصار، قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناسا أتألفهم على الإسلام، لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم، وقد أدخل الله قلوبهم الإسلام، يا معشر الأنصار ألم يمن الله عليكم بالإيمان، وخصكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء؛ أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأ [ ص: 500 ] من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وسلكتم واديا لسلكت واديكم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم والشاء والنعم والبعير وتذهبون برسول الله؟ فقالوا : رضينا . فقال : أجيبوني فيما قلت . قالوا : يا رسول الله، وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضلالا فهدانا الله بك، فرضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا . فقال : أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت : صدقتم . لو قلت : ألم تأتنا طريدا فآويناك، ومكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وقبلنا ما رد الناس عليك . لو قلتم هذا لصدقتم . قالوا : بل لله ورسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا .

وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كان الناس على ثلاث منازل؛ المهاجرون الأولون، والذين اتبعوهم بإحسان، والذين جاءوا من بعدهم : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فأحسن ما يكون أن تكون بهذه المنزلة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، أنه أتاه رجل فذكر بعض الصحابة، فتنقصه، فقال ابن عباس : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان أما أنت فلم تتبعهم بإحسان .

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : والذين اتبعوهم بإحسان

[ ص: 501 ] قال : التابعون .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : والذين اتبعوهم بإحسان قال : من بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة .

وأخرج أبو الشيخ عن عصمة قال : سألت سفيان عن التابعين، قال : هم الذين أدركوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركوا النبي صلى الله عليه وسلم . وسألته عن الذين اتبعوهم بإحسان، قال : من يجيء بعدهم . قلت : إلى يوم القيامة؟ قال : أرجو .

وأخرج أبو الشيخ ، وابن عساكر ، عن أبي صخر حميد بن زياد قال : قلت لمحمد بن كعب القرظي : أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أريد الفتن، فقال : إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لهم الجنة في كتابه؛ محسنهم ومسيئهم . قلت له : وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال : ألا تقرأ : والسابقون الأولون الآية . أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطا لم يشترطه فيهم . قلت : وما اشترط عليهم؟ قال : اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان . يقول : يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك . قال أبو صخر : فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب . [ ص: 502 ] وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، والقاسم، ومكحول، وعبدة بن أبي لبابة، وحسان بن عطية، أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : لما أنزلت هذه الآية : والسابقون الأولون إلى قوله : ورضوا عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث