الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الذي يصنع من الأصناف الأربعة إن خرج عن كونه قوتا

[ ص: 296 ] فصل

والذي يصنع من الأصناف الأربعة إن خرج عن كونه قوتا كالنشا ونحوه لم يكن من الربويات ، وإن كان قوتا كان جنسا قائما بنفسه ، فلم يحرم بيع الخبز بالهريسة ، ولا بيع الناطف بالحب ، فإن هذه الصنعة لها قيمة ، فلا تضيع على صاحبها كالحلية ، ولم يحرم بيع بعض ذلك ببعض لا نص ولا إجماع ولا قياس ، بل هذه الأجناس المختلفة يباع بعضها ببعض متفاضلا .

والنزاع في مسألة بيع اللحم بالحيوان مشهور ، وحديثه من مراسيل سعيد بن المسيب ، وهو -إذا ثبت- فيما إذا كان الحيوان مقصودا للحم ، كشاة يريدون ذبحها يبيعونها بلحم ، يكون قد باعوا لحما بلحم أكثر منه من جنس واحد ، واللحم قوت مطعوم يوزن ، فما كان مثله ألحق به .

ولا يلزم إذا حرم البيع لما فيه من الضرر أن يحرم ذلك في الاستيفاء ، مع أنه منفعة بلا ضرر . مثال ذلك مسألة «عجل لي وأضع عنك » ، مثل أن يكون له عند رجل مائة درهم مؤجلة ، فيقول له : عجل لي تسعين وأضع عنك عشرة . فقد قيل : إن هذا لا يجوز ، لأنه بيع مائة مؤجلة بتسعين حالة . وقيل : يجوز كما نقل عن ابن عباس وغيره ، ورواية عن أحمد . وهذا أقوى ، فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن في ذلك [ ص: 297 ] لما أراد إجلاء يهود ، فقالوا : لنا ديون على الناس ، فقال : «ضعوا عنهم ، وليعجلوا لكم ذلك » .

وذلك أنه هناك حرم لما فيه من ضرر المحتاج ، وهو الذي يأخذ التسعين ، فإنه يأخذها ، ويبقى عليه مئة ، فيتضرر ببقاء الزيادة في ذمته ، وهنا المئة له فهو غني ، وهو يضع منها عشرة عن المدين ، والمدين هو المحتاج في العادة ، ففي هذا رفق بالمدين بالوضع عنه ، وفيه منفعة للآخذ لحاجته إلى التعجيل ، والآخذ هنا هو صاحب المئة ، فكأنه استأجر من المئة بعشرة دراهم من عجلها له ، بخلاف ما إذا بقيت المائة في ذمة المحتاج .

فيجب أن يفرق بين العوض الساقط من الذمة والعوض الواجب في الذمة ، فالعوض هنا ساقط من ذمة المدين لا واجب في ذمته .

ومما يشبه ذلك أنه روي حديث أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ، أي المؤخر بالمؤخر . وإسناده ضعيف ، لكن العمل عليه ، مثل أنه يسلم مئة مؤجلة في غرارة قمح ، فلا هذا قبض شيئا ولا هذا قبض شيئا ، بل اشتغلت ذمة كل منهما بما عليه من غير منفعة ، والمقصود هنا بالبيع [ ص: 298 ] قبض المبيع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث