الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيع الطعام قبل أن يقبض

فصل

قد ثبت في الصحاح بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبض ، وقال : «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه » . وكانوا يتبايعون الطعام صبرة ، فنهوا بأن يبيعوه في موضعه حتى ينقلوه ، كما رواه البخاري عن ابن عمر .

واضطرب العلماء هنا في تعليل هذا النهي ثم في تعميمه وتخصيصه ، وإذا خص بماذا يخص ؟ ثم هل حكم سائر المعاوضات كالبيع أم لا ؟

فمنهم من قال : العلة في ذلك توالي الضمانين ؛ لأنه قبل القبض من ضمان البائع ، فإذا باعه صار مضمونا على البائع الثاني وهو المشتري ، فإذا تلف قبل القبض ضمن البائع الأول للمشتري الأول قيمته ، والمشتري وهو البائع الثاني للمشتري الثاني قيمته ، وقد يكون أقل أو أكثر . وهذا يعلل به من يقول به من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ، وتنازعوا في العقار . [ ص: 301 ]

وأصحاب مالك وأحمد وغيرهما يبطلون هذا التعليل من وجهين : من جهة منع الوصف ، ومنع التأثير .

أما الوصف فيقولون : لا نسلم أن كل مبيع قبل قبضه يكون مضمونا على البائع ، بل هذا خلاف السنة الثابتة ، فقد قال ابن عمر : مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فضمانه على المشتري . وهذا هو الحق ، فإن المشتري قد ملكه وزيادته له ، والخراج بالضمان ، فإذا كان خراجه له كان ضمانه عليه ، لكن إذا أمكنه البائع من قبضه ولم يقبضه . فإذا لم يمكنه كان البائع غير فاعل ما أوجبه العقد ، إما لظلمه وإما لكونه لم يتمكن من قبض الثمن ، فيكون العقد لم يتم بعد ، فيكون من ضمان البائع .

وأما منع التأثير فهب أنه يتوالى فيه الضمانان ، فأي محذور في هذا حتى يكون موجبا للنهي ؟ ولو اشتراه مئة واحد من واحد رجع كل واحد على الآخر بما قبضه إياه من الثمن ، ولو ظهر المبيع مستحقا لرجعوا بذلك . وفي الشقص المشفوع لو تابعه عشرة ثم أخذه الشفيع من المشتري الأول رجع كل واحد بما أعطاه .

ومن علل بوصف فعليه أن يبين تأثير ذلك الوصف ، إما لكون الشرع جعل مثله مقتضيا للحكم ، وإما لمناسبة تقتضي ترتيب الحكم [ ص: 302 ] على الوصف ، فإن لم يظهر التأثير لا شرعيا ولا عقليا كان الوصف طرديا عديم التأثير .

وآخرون قالوا : المنع يختص بالطعام لشرفه ، كما اختص به الربا . وقيل : هو مختص بما يقدر بالكيل أو الوزن . وقيل أو العدد أو الذرع ، لكونه لا يدخل في ضمان المشتري حتى يقدر بذلك ، وهو يعود إلى توالي الضمانين . وهذه الأقوال وغيرها في مذهب أحمد وغيره .

ولقائل أن يقول : إنما نهي عن ذلك لأن المبيع قبل القبض غرر ، قد يسلمه البائع وقد لا يسلمه ، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح فيه ، فيختار أن يكون الربح له . وهذا واقع كثير ، يبيع الرجل البيع ، فإذا رأى السعر قد ارتفع سعى في رد المبيع ، إما بجحده ، وإما باحتيال في الفسخ ، بأن يطلب فيه عيبا أو يدعي عيبا أو غرورا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث