الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3 ] الجزء الثامن بسم الله الرحمن الرحيم ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) بين الله سبحانه في الآيتين اللتين قبل هذه الآيات ، أن مقترحي الآيات الكونية على الرسول صلى الله عليه وسلم أقسموا بالله مجتهدين في أيمانهم مؤكدينها قائلين : لئن جاءتنا آية لنؤمنن بها وبما تدل عليه من صدق الرسول في دعوى الرسالة وما جاء به عن الله تعالى . وأن المؤمنين كانوا يودون إجابة اقتراحهم ، ويظنون أنها تفضي إلى إيمانهم ، فبين الله تعالى لهم خطأ ظنهم بقوله : ( وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) نفى عنهم الشعور بسنته تعالى فيهم وفي أمثالهم من المعاندين وما يكون من شأنهم إذا رأوا آية تدل على خلاف ما يعتقدون وما يهوون ، وهي أنهم ينظرون إليها ويتفكرون فيها بقصد الجحود والإنكار ، فيحملونها على خداع السحر وأباطيله ، ويزعمون أنها لا تدل على المطلوب . وبعد بيان سنته تعالى فيهم عند مجيء الآية المقترحة صرح بما هو أبلغ من ذلك فقال : [ ص: 4 ] ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ) فرأوها المرة بعد المرة بأعينهم وسمعوا شهادتها لك بالرسالة بآذانهم ( وكلمهم الموتى ) منهم بإحيائنا إياهم آية لك وحجة على صدق ما جئت به عن الله - تعالى - من أن الموت ليس عدما محضا للإنسان ( وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ) أي وجمعنا كل شيء من الآيات والدلائل غير الملائكة والموتى فسقناه وأرسلناه عليهم مقابلا لهم ، أو كافلا لصحة دعواك ، أو قبيلا قبيلا ( ما كانوا ليؤمنوا ) أي ما كان من شأنهم ولا مقتضى استعدادهم أن يؤمنوا ، ونفي الشيء أبلغ من نفي الفعل ، ذلك بأنهم لا ينظرون في شيء من الآيات نظر استدلال ، وإنما ينظرون إليها نظر من جاءه ولي يريد نصره وإغاثته وإخراجه من ضيق نزل به ، فظن أنه عدو يهاجمه ليوقعه به ويسلبه ما بيده فينبري لقتاله ، فإذا قال له إنما أنا ولي نصير ، لا عدو مغير ، ظن أنه يخدعه بقوله ، وأنه إذا لم يسبق إلى قتله قتله ، لا يعقل غير هذا .

وقوله تعالى : ( قبلا ) قرأه عاصم وحمزة والكسائي بضم القاف والباء هنا وفي سورة الكهف ، وقرأه نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء فيهما ، وابن كثير وأبو عمرو كالأولين هنا وكالآخرين في الكهف . قيل : إن معنى القراءتين واحد وهو المقابلة والمواجهة بالشيء ، ونقله الواحدي عن أبي زيد ، والتقدير : وحشرنا عليهم كل شيء من أنواع الدلائل مواجهة ومعاينة ، وقيل : إن الأولى جمع قبيل فهو كقضب ورغف - بضمتين فيهما - جمع قضيب ورغيف ، والتقدير : وحشرنا عليهم كل شيء من ذلك قبيلا قبيلا وصنفا صنفا ، أي كل صنف منه على حدة ، ومن استعمال مفرده في مثل هذا المقام قوله تعالى في حكاية اقتراحهم الآيات من سورة الإسراء : ( أو تأتي بالله والملائكة قبيلا ) ( 17 : 92 ) وقيل : معناه الكفيل ، أي وحشرنا عليهم كل ما ذكر كفلاء يضمنون لهم صحة ما جئت به . وهو مروي عن أبي عبيدة والفراء والزجاج ، وكل ما ذكر من المعاني للقراءتين متفق يؤيد بعضه بعضا .

وأما الاستثناء بقوله تعالى ( إلا أن يشاء الله ) فقيل : هو منقطع ، معناه لكن الله تعالى إن شاء إيمان أحد منهم آمن ، وقيل : هو استثناء متصل من أعم الأحوال أو الأوقات ، والمراد عليه أنهم ما داموا على صفاتهم التي هم عليها في زمن اقتراح الآيات لا يؤمنون ، وإذا شاء الله أن يزيلها فعل . والظاهر أنه مؤيد لذلك الجزم بعدم إيمان هؤلاء الناس الموصوفين بما ذكر من العناد والكبرياء والمكابرة ، ومعناه : أن سنة الله تعالى في فقدهم الاستعداد للإيمان جارية بحسب مشيئته تعالى ككل ما يجري في هذا العالم ، ولو شاء غير ذلك لكان ، ولكنه لا يشاء لأنه تغيير لسننه ، وتبديل لطباع هذا النوع من خلقه - الإنسان - فهو إذا مزيد تأكيد لنفي الإيمان عنهم ، والأستاذ الإمام يعد من هذا التأكيد قوله تعالى : ( سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ) ( 87 : 6 ، 7 ) [ ص: 5 ] فالمراد أنه لا ينسى ألبتة ، وقد يفسر به ما استشكلوه وذهبوا المذاهب في تأويله من آيتي سورة هود : ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ) ( 11 : 107 ) ولا حجة في الاستثناء بالمشيئة في هذه الآية وأمثالها للجبرية على جبرهم ، ولا للقائلين بخلق الله تعالى للشر ولا لمنكريه ، فكل ما يجري في الكون من أعمال البشر الاختيارية خيرها وشرها جار بنظام وسنن حكمية وكلها بمشيئة الله تعالى ، وما هو شر من أفعال الناس الاختيارية لقبحه ولما يترتب عليه من ضررهم به وعقابهم عليه لا يستلزم ما قالته تلك الفرق كما بيناه مرارا في هذا التفسير وفي مباحث أخرى من المنار .

( ولكن أكثرهم يجهلون ) سنن الله تعالى في عباده وانطباقها على الأفراد والجماعات ، لذلك يتمنى بعض المؤمنين لو يؤتى مقترحو الآيات ما اقترحوه لظنهم أنه سيكون سببا لإيمانهم ، وليست الآيات بملزمة ولا مغيرة لطباع البشر في اختيار ما ترجح عند كل منهم بحسب نظره فيها وفي غيرها ، ولو شاء الله تعالى لجعلها كذلك ، ولو شاء أيضا لخلق الإيمان في قلوب البشر خلقا لا عمل لهم فيه ولا اختيار . وحينئذ لا يكونون محتاجين إلى رسل ، بل لا يكونون هم هذا النوع من الخلق الذي سمي الإنسان .

ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الجملة الأخيرة نزلت في المؤمنين ، فإن أكثرهم يجهلون قطعا أن هؤلاء المقترحين المعاندين من الذين فقدوا الاستعداد للإيمان والاستعداد للنظر الصحيح في الآيات والدلائل الموصلة إليه . وذهب بعضهم إلى أنها في الكافرين الذين لا يؤمنون - كالجمل قبلها - ولا شك أن جهلهم عظيم في هذا الأمر وفي غيره ، ويرجح الأول إسناد الجهل إلى أكثرهم وهو عام شامل لهم ، ولا سيما إذا أريد بهم المستهزئون الخمسة خاصة كما تقدم في أول السياق من آخر الجزء السابع ، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاصي بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، والأسود بن المطلب ، والحارث بن حنظلة ، فقد كانوا أجهل القوم بهذه الهداية وأشدهم جهلا على الرسول صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث