الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل ربا النسيئة في الجنس الواحد

فصل

والربا البين الذي لا ريب فيه هو ربا النسيئة في الجنس الواحد ، وكذلك قال الإمام أحمد لما سئل عن الربا الذي لا شك فيه ، فقال : مثل ربا الجاهلية ، يقول له عند محل الأجل : تقضي أو تربي ؟ فإن قضاه وإلا زاده في الأجل وزاده الآخر في الدين .

فإذا بيع دراهم معينة أو في الذمة بأكثر منها إلى أجل ، فهذا من الربا العاصر المتفق عليه الذي نزل القرآن بسببه ، فإنه ضرر محض بالمحتاج ، وزيادة المال من غير عمل من صاحبه ولا نفع للناس . فإن المعاوضة ثلاثة أنواع :

أحدها : أن يشتري السلعة لينتفع بها بالأكل والشرب واللباس والركوب والسكنى ، فهذا هو البيع الذي أحله الله ، ولا بد منه لأهل الأرض .

والثاني : التجارة ، وهو أن يشتريها لينقلها إلى مكان آخر ، ويحبسها إلى وقت فيبيعها بربح . وهذه التجارة التي أحلها الله بقوله تعالى : إلا [ ص: 305 ] أن تكون تجارة عن تراض منكم [النساء :29] ، فإن المشتري من صاحب التجارة يعلم أنه قد ربح عليه ، وأن رأس المال مثلا كان مائة ، وقد باعها بمائة وعشرة أو أقل أو أكثر ، ولهذا يطلب المشتري من التاجر إخباره برأس المال لينظر كم يربح عليه ، وهذا بخلاف البائع الذي ليس بتاجر ، كالذي حدثت على ملكه أو ورثها أو وهبت له أو نحو ذلك .

وقد ثبت في الصحيح أنهم كانوا إذا اشتروا الصبرة من الطعام نهوا أن يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها ؛ لأن هذا المشتري تاجر إنما اشتراها ليربح فيها ، فلا بد أن يعمل فيها عمل التاجر ، من نقلها من مكان إلى مكان ، أو حبسها إلى حين يرتفع السعر ، وأن يشتري جملة ويبيع مفرقا ، ونحو ذلك . فأما إذا اشتراها وباعها في مكانها بربح من غير أن يعمل فيها شيئا فليس هذا بتاجر ، وإن كانت صارت في ضمانه بتخلية البائع بينه وبينها .

فليس كل مضمون يباح ربحه ، ولكن ما ليس بمضمون لا يباح ربحه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن ، والبائع قبل التمكن من القبض هو ضامن للمبيع ، ولا يحل له ربحه ونماؤه ، بل ذلك للمشتري ، وكذلك المشتري قبل كمال القبض وبعد التمكن منه هو ضامن ، ولا يباح له ربحه . [ ص: 306 ]

وقوله صلى الله عليه وسلم : «من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه » هو نهي للتاجر الذي يشتري الطعام ثم يبيعه ، فهذا ليس له أن يبيعه حتى يستوفيه ، وإن كان معينا مضمونا عليه بالتعيين . وابن عمر روى هذا ، وروى هذا . قال ابن عمر : مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من ضمان المشتري . وهذا احتج به مالك وأحمد وغيرهما أن ما كان معينا ولم يمنعه البائع فهو يكون مضمونا على المشتري وإن لم يقبضه .

وروى ابن عمر أنهم كانوا يضربون إذا اشتروا الصبرة جزافا أن يبيعوها في موضعها حتى ينقلوها . وإذا اشترى الصبرة جزافا دخلت في ضمانه أيضا ، ومتى خلي بينه وبينها كانت مضمونة على المشتري ، لكن نهي أن يبيعوها في موضعها ، وقد قال ابن عباس : لا أحسب كل شيء إلا بمنزلة الطعام . وفي السنن أنه نهى عن بيع ما لم يقبض ، وهذا خطاب للتجار ، فإنهم إذا اشتروا شيئا باعوه بربح ، فلا يبيعوه حتى يقبضوه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث