الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير

الضمير في "أرادا" للوالدين، و"فصالا" معناه: فطاما عن الرضاع، ولا يقع التشاور ولا يجوز التراضي إلا بما لا ضرر فيه على المولود، فإذا ظهر من حاله الاستغناء عن اللبن قبل تمام الحولين فلا جناح على الأبوين في فصله، هذا معنى الآية. وقاله مجاهد ، وقتادة ، وابن زيد ، وسفيان وغيرهم وقال ابن عباس : لا جناح مع التراضي في فصله قبل الحولين وبعدهما.

[ ص: 576 ] قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

وتحرير القول في هذا أن فصله قبل الحولين لا يصح إلا بتراضيهما، وألا يكون على المولود ضرر، وأما بعد تمامهما فمن دعا إلى الفصل فذلك له، إلا أن يكون في ذلك على الصبي ضرر.

وقوله تعالى: وإن أردتم أن تسترضعوا مخاطبة لجميع الناس، تجمع الآباء والأمهات، أي لهم اتخاذ الظئر مع الاتفاق على ذلك.

وأما قوله تعالى: إذا سلمتم فمخاطبة للرجال خاصة إلا -على أحد التأويلين- في قراءة من قرأ "أتيتم" وقرأ الستة من السبعة: "آتيتم" بالمد. المعنى: أعطيتم. وقرأ ابن كثير "أتيتم" بمعنى ما جئتم وفعلتم، كما قال زهير : .


وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبل



قال أبو علي : المعنى: إذا سلمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه، فحذف المضاف، وأقيم الضمير مقامه، فكان التقدير: ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة، ويحتمل اللفظ معنى آخر -قاله قتادة - وهو: إذا سلمتم ما أتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي، وكان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر.

وعلى هذا الاحتمال فيدخل في الخطاب بـ "سلمتم" الرجال والنساء، وعلى التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع. قال أبو علي : ويحتمل أن تكون "ما" مصدرية، أي إذا سلمتم الإتيان، والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير.

قال مجاهد : المعنى: إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن، بحساب ما أرضعن إلى [ ص: 577 ] وقت إرادة الاسترضاع. وقال سفيان : المعنى: إذا سلمتم إلى المسترضعة وهي الظئر أجرها بالمعروف.

وباقي الآية أمر بالتقوى، وتوقيف على أن الله تعالى بصير بكل عمل، وفي هذا وعيد وتحذير، أي فهو مجاز بحسب عملكم.

التالي السابق


الخدمات العلمية