الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

50 [ ص: 169 ] 37 - باب: سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة

وبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - له، ثم قال: "جاء جبريل يعلمكم دينكم". فجعل ذلك كله دينا، وما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - لوفد عبد القيس من الإيمان، وقوله تعالى: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [آل عمران: 85].

50 - حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث". قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله". ثم تلا النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله عنده علم الساعة [لقمان: 34] الآية. ثم أدبر فقال: "ردوه". فلم يروا شيئا. فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم". قال أبو عبد الله: جعل ذلك كله من الإيمان. [4777 - مسلم:9،10 - فتح: 1 \ 114]

التالي السابق


ثنا مسدد ثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أبو حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث".

[ ص: 170 ] قال: ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال متى الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله".

ثم تلا النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله عنده علم الساعة [لقمان: 34] الآية. ثم أدبر فقال: "ردوه". فلم يروا شيئا، فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم".
قال أبو عبد الله: جعل ذلك كله من الإيمان.

الكلام عليه من وجوه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن مسدد كما ترى، وفي الزكاة مختصرا عن محمد بن عبد الرحيم، عن عقيل، عن وهيب، عن أبي حيان [وعن مسدد، عن يحيى، عن أبي حيان] به، وفي التفسير عن إسحاق، عن جرير.

وأخرجه مسلم هنا عن أبي بكر وزهير، عن ابن علية، وعن ابن نمير عن ابن بشر، وعن أبي بكر بن إسحاق، عن عفان، عن وهيب، كلهم عن أبي حيان، وعن زهير، عن جرير، (عن [ ص: 171 ] عمارة)، كلاهما عن أبي زرعة.

ثانيها: في التعريف برواته:

وقد سلفوا غير أبي حيان، وهو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي التيمي -تيم الرباب-.

سمع أباه والشعبي وغيرهما، وعنه أيوب والأعمش، وهما تابعيان وليس هو بتابعي، وجماعات من الأعلام، واتفقوا على الثناء عليه وتوثيقه.

وإسماعيل بن إبراهيم هو ابن علية.

وأبو زرعة اسمه: هرم بن عمرو كما سلف.

ثالثها:

هذا الحديث مشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة راجعة إليه والأحكام منطبقة عليه، فلنذكر نبذا منه:

الأولى: البروز: الظهور، فمعنى (كان بارزا): ظاهرا لهم جالسا معهم. قال ابن سيده: برز يبرز بروزا: خرج إلى البراز -وهو الفضاء- وبرزه إليه وأبرزه، وكل ما ظهر بعد خفاء فقد برز.

[ ص: 172 ] قال تعالى: وترى الأرض بارزة [الكهف: 47]. قال الهروي: ظاهرة ليس فيها مستظل ولا منقبا. وحكى صاحب "الواعي" عن "أفعال ابن طريف": برز الشيء برزا (ولم أره) فيها.

الثانية: اختلف في الجمع بين الإيمان باللقاء والبعث، فقيل: اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعث بعده عند قيام الساعة، وقيل: اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب، ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى، فإن أحدا لا يقطع لنفسه بها; فإنها مختصة بمن مات مؤمنا، ولا يدري الإنسان ما يختم له.

الثالثة: رواية مسلم : البعث الآخر -بكسر الخاء المعجمة- وقيده بذلك مبالغة في الإيضاح لشدة الاهتمام به. وقيل: إن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام، وخروجه من القبر إلى المحشر بعث من الأرض. فقيد البعث بالآخر; ليتميز.

الرابعة: العبادة: الطاعة مع خضوع، وتذلل قال الهروي: يقال: طريق معبد. إذا كان مذللا للسالكين، وكل من دان لملك فهو عابد له.

وفي "المحكم": عبد الله تعالى يعبده، ويعبده عبادة (ومعبدة ومعبدة): تأله له.

وفي "الصحاح": التعبد: التنسك.

فيحتمل أن يكون المراد هنا معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيته، [ ص: 173 ] ويكون عطف الصلاة والزكاة والصوم عليها; لإدخالها في الإسلام; لأنها لم تكن دخلت في لفظ العبادة، واقتصر على هذه الثلاث; لكونها من أظهر شعائر الإسلام وأركانه، والباقي ملحق بها، وترك الحج إما لأنه لم يفرض إذن، أو أن بعض الرواة لم يجوده وأسقطه.

ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة: الطاعة مطلقا كما هو حدها ومقتضى إطلاقها، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها. وعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على شرفه ومزيته كقوله تعالى: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح [الأحزاب: 7] ونظائره.

الخامسة: الإيمان (بالله): هو التصديق بوجوده تعالى وأنه لا يجوز عليه العدم، (وأنه) تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر والحياة، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك [ ص: 174 ] الصفات، وعن صفات الأجسام والمتحيزات، وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيها بما شاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه ما يشاء.

السادسة: في "صحيح البخاري " في كتاب: التفسير، ومسلم هنا زيادة: "وكتبه". بعد: "وملائكته" وفي بعضها: "وكتابه". والإيمان بكتب الله هو التصديق بأنها كلام الله ومن عنده، وأن ما تضمنته حق وأن الله تعبد خلقه بأحكامها وفهم معانيها.

السابعة: (الملائكة) جمع: ملك. فقيل: لا اشتقاق له. وقيل: وزنه فعل.

وقيل: مفعل من لاك أي: أرسل. وقيل: مأخوذة من الألوكة التي هي الرسالة، فأصله على هذا: مالك ; فالهمزة فاء الفعل، لكنهم قلبوها إلى عينه فقالوا: (ملأك). وقيل: هو مثل سمأل.

الثامنة: يجب الإيمان بجميع ملائكة الله تعالى، فمن ثبت تعيينه كجبريل وميكائيل وإسرافيل وجب الإيمان به، ومن لم يثبت آمنا به إجمالا، وكذلك الأنبياء والرسل، وما ثبت من ذلك بالنص والتواتر كفر من يكفر به.

التاسعة: الإيمان برسل الله هو بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بلغوا عن الله رسالته وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وأن لا نفرق بين أحد منهم.

[ ص: 175 ] العاشرة: قوله: ("ولا تشرك به"). وفي مسلم : "لا تشرك به شيئا". إنما ذكر بعد العبادة; لأن الكفار كانوا يأتون بصورة عبادة الله تعالى في بعض الأشياء، ويعبدون الأوثان وغيرها يزعمون أنها شركاء فنفي هذا.

الحادية عشرة: جاء هنا وفي كتاب التفسير: "تعبد الله ولا تشرك به"، وجاء في حديث ابن عمر في مسلم فيه: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" فكان أبو هريرة نقل الحديث بالمعنى، وابن عمر نقله باللفظ.

الثانية عشرة: جاء في حديث ابن عمر: "ويحج البيت" ولم يأت في رواية أبي هريرة ولا في حديث طلحة بن عبيد الله، وقد سلف الجواب عنه قريبا.

الثالثة عشرة: المراد بإقامة الصلاة فعلها بحدودها، وقيدها في رواية مسلم بالمكتوبة تبركا بقوله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا [النساء: 103].

وقد اشتهر في غير ما حديث صحيح تسميتها مكتوبة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" و"خمس صلوات كتبهن الله [ ص: 176 ] (على العبد) " و"أفضل الصلاة بعد المكتوبة".

فيحتمل تقييدها بالمكتوبة; للاحتراز من النافلة، فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام فليست من أركانه، ويحتمل أن تكون لمراعاة الأدب مع لفظ القرآن، وكان - صلى الله عليه وسلم - يلازم هذا الأدب كما هو مشهور في الأحاديث، ومنها تنكيره المقام في قوله: "وابعثه مقاما محمودا" وهو معين; لتوافق الآية وهي مقاما محمودا.

الرابعة عشرة: تقييد الزكاة بالمفروضة لتخرج صدقة التطوع; فإنها زكاة لغوية. وقيل: للاحتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول، فإنها زكاة وليست مفروضة الآن.

الخامسة عشرة: إنما فرق بين الصلاة والزكاة في التقييد. فقال في الأولى: المكتوبة، وفي الثانية: المفروضة للبلاغة.

السادسة عشرة: جواز قول القائل رمضان من غير إضافة لفظ الشهر إليه، وهو الصواب.

السابعة عشرة: الإحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا، وهو بمعنيين: [ ص: 177 ] أحدهما: متعد بنفسه، كأحسنت كذا وحسنته: إذا أكملته، منقول بالهمزة من حسن الشيء.

والثاني: متعد بحرف الجر، كأحسنت إليه: إذا أوصلت إليه النفع، والإحسان في هذا الحديث بالمعنى الأول; فإنه يرجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حق الله ومراقبته.

فمعنى: "تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" أن تعبد عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله تعالى، فإنك لا تستبقي شيئا من الخضوع والخشوع والإخلاص وحفظ القلب والجوارح، ومراعاة الآداب الظاهرة والباطنة ما دمت في عبادته، وإن عرض عارض فنادر وإنما تراعي الآداب المذكورة إذا رأيته ورآك; لكونه يراك لا لكونك تراه، وهذا المعنى موجود وإن لم تره لأنه يراك.

وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة ومراقبة الله تعالى في جميع أنواعها مع قيام الخشوع والخضوع والحضور.

فحال من غلب عليه مشاهدة الحق كأنه يراه. ولعل هذه الحالة هي المشار إليها بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وجعلت قرة عيني في الصلاة".

والثاني: حال من يغلب عليه اطلاع الحق عليه، وإليه الإشارة بقوله

تعالى: الذي يراك حين تقوم [الشعراء: 218].

[ ص: 178 ] فائدة: الألف واللام في: (ما الإحسان؟) إلى المعهود في قوله تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [يونس: 26] و هل جزاء الإحسان إلا الإحسان [الرحمن: 60]، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين [البقرة: 195] ولتكراره في القرآن ولترتب الثواب عليه سأل عنه جبريل -عليه السلام-.

الثامنة عشرة: أصل الساعة مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى: ما لبثوا غير ساعة [الروم: 55] والمراد بها هنا يوم القيامة، وقد يطلق في عرف الميقاتيين على جزء من أربعة وعشرين جزءا.

التاسعة عشرة: قوله: ("ما المسئول عنها بأعلم من السائل") فيه أن الأدب للمفتي والعالم إذا سئل عن ما لا يعلم أن يقول: لا أعلم.

العشرون: (أشراطها) بفتح الهمزة وسكون الشين واحدها: شرط بفتحهما: علاماتها، ومنه سمي الشرط; لأنهم يعلمون لأنفسهم علامات وقيل: أوائلها ومقدماتها. وقيل: صغار أمورها، واحدها: شرط كما سلف.

وجزم صاحب "المحكم" و"الجامع" بأنه أوائلها، وفي "الغريبين" عن الأصمعي: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض إنما هي علامة يجعلونها بينهم.

قال النووي في ("شرحه"): والمراد -والله أعلم- بأشراطها السابقة لا أشراطها المضايقة لها كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة ونحوهما.

الحادية بعد العشرين: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ("أن تلد الأمة ربها")، وفي رواية [ ص: 179 ] لمسلم : "ربتها"، وفي رواية: "بعلها".

ومعنى الأوليين: السيد. كما يقال: رب الدار، وهو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها; لأن مال الإنسان صائر إلى ولده غالبا، وقد يتصرف فيه في حياته تصرف المالكين إما بإذن أبيه له فيه أو بقرينة الحال أو عرف الاستعمال، وهذا ما عليه الأكثرون.

وعبر بعضهم عنه بأن المراد استيلاء المسلمين على الكفرة فتكون الأمة من سيدها بمنزلة سيدها، والعلامة على هذا كثرة الفتوح والتسري، وقيل: معناه: أن الإماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وولي أمورهم، وهذا قول إبراهيم الحربي.

وقيل: معناه: أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها وهو لا يدري.

وعلى هذا القول لا تختص بأمهات الأولاد بل يتصور في غيرهن، فإن الأمة قد تلد حرا بوطء غير سيدها بشبهة، أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ابنها وبنتها; وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد، وقيل: إن أم الولد لما عتقت بولدها فكأنه سيدها.

[ ص: 180 ] وقيل: معناه: أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة. وقيل: غير ذلك مما فيه ضعف.

وأما رواية: "بعلها" فالصحيح في معناها: أن البعل هو السيد أو المالك، فيكون بمعنى ربها على ما سلف.

قال أهل اللغة: بعل الشيء: ربه ومالكه. قال تعالى: أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين [الصافات: 125] أي: ربا; قاله ابن عباس والمفسرون، وقيل: المراد هنا: الزوج.

وعلى هذا معناه نحو ما سبق: أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري، وهذا أيضا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر; لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى.

ومع هذا فللقائل بأن المراد الزوج أن يقول: ليس في هذا ترجيح هنا; لأن المراد هنا بيان علامات من علامات الساعة وهي غير منحصرة في هذا المذكور، فإن من جملتها: رفع العلم، وظهور الجهل، وظهور الزنا، وقلة الرجال، وكثرة النساء، وكثرة الهرج، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، وغير ذلك مما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وهذه العلامات قد وقع أكثرها وتزايدت. ونسأل الله حسن الخاتمة.

الثانية بعد العشرين: ليس في الحديث دلالة على إباحة بيع أمهات الأولاد، ولا منع بيعهن، وقد استدل به إمامان جليلان أحدهما: على [ ص: 181 ] الإباحة، والآخر: على المنع.

وهو عجيب منهما، وليس كل ما أخبر الشارع بكونه من العلامات يكون محرما أو مذموما، فإن تطاول الرعاء في البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك وإنما هذه علامة، والعلامة قد تكون بالخير والشر والحرام والواجب والمباح وغير ذلك.

الثالثة بعد العشرين: "الرعاة" -بضم الراء وبالهاء في آخره- جمع: راع، كقاض وقضاة، وداع ودعاة ونحوه، ويقال أيضا: رعاء -بكسر الراء وبالمد من غير هاء- كصاحب وصحاب، وتاجر وتجار. يقال: راع ورعيان ورعاة ورعاء; لأن فاعلا إذا كان اسما فجمعه على فواعل قياسا كحائط وخاتم وكاهن وشبهها. وإن كان صفة استعمل استعمال الأسماء كراع ويجمع على فعلان بضم الفاء -كرعيان، وعلى فعال- بكسر الفاء، وعلى فعلة كرعاة وقضاة وغزاة; فإن أصلها رعية وقضوة وغزوة قلبت لام الكلمة ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت رعاة وقضاة وغزاة، وأصل الرعي: الحفظ.

الرابعة بعد العشرين: قوله: ("وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان") كذا في رواية البخاري وفي مسلم حذف الإبل; لأنهم أضعف أهل البادية; لأن أهل الإبل أصحاب الفخر والخيلاء، وفي رواية: "وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان".

والبهم -بضم الباء بلا خلاف، وروي بجر الميم ورفعها، فمن جر [ ص: 182 ] جعله وصفا للإبل -أي: رعاة الإبل السود- قالوا: وهي شرها، ومن ضم جعله صفة للرعاة، ومعناه: الرعاة السود.

وقال الخطابي: معناه: الرعاة المجهولون الذين لا يعرفون. جمع: بهيم، ومنه أبهم الأمر، وقيل: الذين لا شيء لهم، ومنه: "يحشر الناس حفاة عراة بهما" أي: لا شيء معهم، ومعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة يبسط لهم في الدنيا حتى يتباهوا في البنيان وإطالته.

وقولي: إن باء البهم بالضم بلا خلاف هو كذلك، وصرح به النووي في "شرحه"، وقال القاضي عياض: إنه الصواب. ورواه الأصيلي بالفتح أيضا، ولا وجه له.

الخامسة بعد العشرين: "البهم": صغار الضأن والمعز، هذا قول الجمهور، وقال الزبيدي في "مختصر العين": البهمة اسم لولد الضأن والمعز والبقر، وجمعه: بهم وبهام، وأما البهيمة فهي ذوات الأربع من دواب البر والبحر.

[ ص: 183 ] وذكر التياني في "الموعب": أن البهم صغار الضأن، الواحدة بهمة للذكر والأنثى والجمع بهم، وجمع البهم: بهام وبهامات. وفي "المخصص": تكون بعد العشرين يوما بهمة من الضأن والمعز إلى أن تفطم.

وفي "المحكم": وقيل: هو بهمة إذا شب، والجمع: بهم وبهم وبهام، وبهامات جمع الجمع، وقال ثعلب: البهم: صغار المعز.

وفي "الجامع" للقزاز: بهمة مفتوحة الباء ساكنة الهاء، يقال لأولاد الوحش من الظباء، وما جانس الضأن والمعز: بهم.

وفي "الصحاح": البهام جمع بهم. والبهم جمع بهمة. والبهمة للمذكر والمؤنث للضأن خاصة، والسخال أولاد المعز، وإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعا: بهام وبهم أيضا. وفي "المغيث" لأبي موسى المديني: وقيل: البهمة: السخلة.

وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للراعي: "ما ولدت" قال: بهمة. قال: "اذبح مكانها شاة" فلولا أن البهمة اسم لجنس خاص لما كان في سؤاله الراعي وإجابته عنه ببهمة كثير فائدة، إذ يعرف [أن] ما تلد الشاة إنما يكون ذكرا أو أنثى فلما أجاب عنه ببهمة وقال: "اذبح مكانها شاة" دل على أنه اسم للأنثى دون الذكر، أي: دع هذه الأنثى [ ص: 184 ] في الغنم للنسل واذبح مكانها ذكرا.

السادسة بعد العشرين: قوله: ("في خمس لا يعلمهن إلا الله"). أي: استأثر بعلمها، وفي الكلام حذف تقديره: في خمس، أي: هي في خمس انفرد الله تعالى بعلمها، أي: هي في عدد خمس ولا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الخمس إلا أن يعلمه الله تعالى به.

السابعة بعد العشرين: قوله: (ثم أدبر (الرجل) فقال: "ردوه"، فلم يروا شيئا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هذا جبريل") الحديث. وفي "الصحيح" أيضا: فلبثت مليا، ثم قال لي: يا عمر، "أتدري من السائل؟ ". وفيه: فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم".

وفي أبي داود والترمذي قال عمر: ثم انطلق فلبثت ثلاثا ثم قال: "يا عمر أتدري من السائل؟ " الحديث، وظاهر هذه الرواية أنه قاله: بعد ثلاث ليال، وهو مغاير لما تقدم من قوله: فلبثت مليا.

فيحتمل أن عمر لم يحضر قوله - صلى الله عليه وسلم - أولا "هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم" في الحال، بل (كان) قام من المجلس فأخبر - صلى الله عليه وسلم - الحاضرين في الحال وأخبر عمر بعد ثلاث.

الثامنة بعد العشرين: قوله: ("هذا جبريل"). فيه دلالة على تشكل الملائكة في صور بني آدم كقوله تعالى: فتمثل لها بشرا سويا [مريم: 17] وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلقته [ ص: 185 ] التي خلق عليها غير مرتين كما تقدم في بدء الوحي.

التاسعة بعد العشرين: قوله: ("جاء يعلم الناس دينهم") أي: قواعد دينهم وكلياتها، وهذا دال على أنه إنما عرفه - صلى الله عليه وسلم - في آخر الأمر. وقد جاء مبينا في الدارقطني في آخر هذا الحديث: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم فخذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شبه علي مذ أتاني قبل مرتي هذه وما عرفته حتى ولى".

الثلاثون: زاد سليمان التيمي في الحديث من طريق ابن عمر: "وتغتسل وتتم الوضوء". قال ابن حبان: تفرد بها.

قلت: وهو ثقة بإجماع، وفيه بعد "وتحج البيت وتعتمر"، وصححها الحاكم وغيره.

الحادية بعد الثلاثين: أخرج هذا الحديث الثاني النسائي من طريق أبي ذر وأبي هريرة أيضا بزيادة حسنة: كان - صلى الله عليه وسلم - يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا أن نجعل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه، [و] إنا لجلوس عنده ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجلسه إذ أقبل أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة كان ثيابه لم يمسها دنس [ ص: 186 ] حتى سلم من طرف البساط، قال: السلام عليك يا محمد. فرد -عليه السلام-، فقال: أدنو يا محمد؟ فقال: "ادن" فما زال يقول: أدنو؟ مرارا، ويقول: "ادن" حتى وضع يديه على ركبتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذكر نحوه.

الثانية بعد الثلاثين: في "صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "سلوني" فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ الحديث.

كأنه لما كثر سؤالهم وخيف التعنت به غضب - صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله تعالى فيه: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء [المائدة: 101] فانكف الناس. فأرسل الله إليهم جبريل فسأل فقال: "هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا".

الثالثة بعد الثلاثين: ظاهر الحديث تغاير (الإسلام والإيمان) وقد قدمت الكلام على ذلك في أوائل كتاب الإيمان، ومراد البخاري أنهما واحد، ويرد ما وقع من الفرق بينهما في حديث جبريل إلى ما جاء في حديث وفد عبد القيس من إطلاق لفظ الإيمان على الإسلام والأعمال. وقد قال بمثل قوله جماعة، منهم البغوي.

الرابعة بعد الثلاثين: قد جمع هذا الحديث أنواعا من القواعد ومهمات من الفوائد، وقد أشرنا إلى جمل منها: [ ص: 187 ] ومنها: وجوب الإيمان بهذه المذكورات، وعظم مرتبة هذه الأركان التي فسر الإسلام بها، وجواز قول: رمضان بلا شهر كما سلف، وعظم محل الإخلاص والمراقبة.

ومنها: لا أدري من العلم، ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب والاعتراف بعدم العلم، وأن ذلك لا ينقصه ولا يزيل ما عرف من جلالته، بل ذلك دليل على ورعه وتقواه ووفور علمه وعدم تكثره وتبجحه بما ليس عنده.

وبين البغوي ما أراده البخاري من التبويب، حيث قال: جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وجماعها الدين. وقد قدمنا ذلك عنه في أوائل كتاب الإيمان.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث