الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 669 ] فاعلموا رحمكم الله أن الآيات الدالة على ذم البدعة وكثيرا من الأحاديث أشعرت بوصف لأهل البدعة ، وهو الفرقة الحاصلة ، حتى يكونوا بسببها شيعا متفرقة ، لا ينتظم شملهم بالإسلام ، وإن كانوا من أهله ، وحكم لهم بحكمه .

ألا ترى أن قوله تعالى : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء وقوله تعالى : ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا الآية ، وقوله : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وصف التفرق ؟

وفي الحديث :

وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة والتفرق ناشئ عن الاختلاف في المذاهب والآراء ؛ إن جعلنا التفرق معناه بالأبدان ـ وهو الحقيقة ـ وإن جعلنا معنى التفرق في المذاهب ، فهو [ ص: 670 ] الاختلاف كقوله : ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا . للاختلاف سببان : كسبي ، وغير كسبي

فلا بد من النظر في هذا الاختلاف ما سببه ؟ وله سببان :

( أحدهما ) : لا كسب للعبادة فيه ، وهو الراجع إلى سابق القدر ، والآخر هو الكسبي وهو المقصود بالكلام عليه في هذا الباب ، إلا أن نجعل السبب الأول مقدمة ، فإن فيها معنى أصيلا يجب التثبت له على من أراد التفقه في البدع . فنقول والله الموفق للصواب : قال الله تعالى : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبدا ، مع أنه لو أراد أن يجعلهم متفقين لكان على ذلك قديرا لكن سبق العلم القديم أنه إنما خلقهم للاختلاف ، وهو قول جماعة من المفسرين في الآية ، وأن قوله : ولذلك خلقهم معناه : وللاختلاف خلقهم . وهو مروي عن مالك بن أنس قال : خلقهم ليكونوا فريقا في الجنة وفريقا في السعير . ونحوه عن الحسن فالضمير في خلقهم عائد على الناس ، فلا يمكن أن يقع منهم إلا ما سبق في العلم ، وليس المراد هاهنا الاختلاف في الصور كالحسن والقبيح [ ص: 671 ] والطويل والقصير ، ولا في الألوان كالأحمر والأسود ، ولا في أصل الخلقة كالتام الخلق والناقص الخلق والأعمى والبصير ، والأصم والسميع ، ولا في الخلق كالشجاع والجبان ، والجواد والبخيل ، ولا فيما أشبه ذلك من الأوصاف التي هم مختلفون فيها .

وإنما المراد اختلاف آخر وهو الاختلاف الذي بعث الله النبيين ليحكموا فيه بين المختلفين ، كما قال تعالى : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الآية ، وذلك الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى في الآخرة والدنيا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث