الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 3118 ] وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون

إن الله سبحانه وتعالى رد استعجالهم للعذاب، كما استعجل المشركون أسلافهم العذاب، فأنزله تعالى، أما المشركون الذين بعث فيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فما بعث لهم وحدهم، بل بعث للأحمر والأسود، والأبيض والأصفر، فما كان لينهي رسالته بكفر أهل مكة وإصرارهم على الشرك ومعاندة الحق، بل لا بد من تبليغ رسالة ربه، وأن يعرفها الكافة فقد أرسل إليهم، كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا كافة للناس ولذلك قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون على ما ذكرنا، ولكن هناك عذاب لهم ينزل بهم في الدنيا، أساسه منازعة الحق للباطل، وإزالة مثارات الشيطان أمام شرع الرحمن، ولا بد أن يخلو وجه الناس للحق، فكان لا بد من مغالبتهم بالقتال، وهو بعون الله تعالى عذاب لهم، وهذا هو العذاب الذي قرره الله تعالى لهم في قوله تعالى: وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام

[ ص: 3119 ] هذا تعجب من عدم تعذيب الله لهم بالمغالبة، ومنازعتهم ما وضعوا أيديهم عليه بالباطل، وأقاموا أصنامهم فيه، وليسوا أهلا لولايته.

والاستفهام للتعجب من مناقضة حالهم لما يجب لحرم الله الآمن، والمعنى: أي أمر ثبت لهم حتى يقيموا في الحرم ولا يعذبهم يمنعهم منه؟! وهم يحاربون شعائره، وذلك بصدهم عن سبيل الله، وعن المسجد نفسه، فهم يمنعون النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن يؤدي المناسك، ويمنعون ضعاف المؤمنين بإيذائهم، ويصدون الناس معنويا بوضع الأصنام على الكعبة بناء إبراهيم، وينتهكون المحارم بحمل الناس على الطواف عرايا رجالا ونساء، حتى إنهن ليسترن سوءاتهن بأكفهن، هذا كله صد عن البيت.

فكيف لا يعذبهم الله بمغالبتهم على الاستيلاء على البيت، والحال أنهم لا يقومون على حرمات البيت، وهو المسجد الحرام الذي جعله الله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حوله؟!

والتعذيب - كما أشرنا - هو مغالبتهم لنزع البيت من تحت أيديهم، ووضعه في يد أولياء الله، ولكنهم يدعون أنهم سدنته، أو أنه بأيديهم مفاتيحه من عهد إبراهيم، وقد أجاب الله تعالى عن ذلك بأنهم ليسوا أولياءه، أي ليسوا حماته، أو القائمين عليه; وذلك لأن ولايتهم إنما هي بالخلافة عن إبراهيم بانيه ورافع قواعده، وما كان مشركا.

وإنهم إذ أشركوا، وصدوا الناس عن المسجد الحرام، ومنعوا غير العرايا - قد فقدوا صفة الخلافة عن إبراهيم الذي جاء بالحنيفية السمحة، قد فقدوا الحق في هذه الولاية؛ ولذا قال تعالى: وما كانوا أولياءه أي: ما استمرت لهم هذه الولاية، لأن "كان" تدل على الاستمرار، وفيها نفي لهذا الاستمرار.

والولاية الحق تكون لمن كانوا على ملة إبراهيم السمحة، ولذا قال: إن أولياؤه إلا المتقون هذا قصر للولاية على الموحدين المؤمنين الذين بلغوا ذروة [ ص: 3120 ] الإيمان، وهي التقوى ولكن أكثرهم لا يعلمون أنفسهم وضلالهم فلا يستحق الولاية المؤمن فقط، بل المؤمن الذي يتقي الله ويحفظ حرمات بيته، قال عز من قائل: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين

وإن هؤلاء المشركين لا يعرفون شيئا مما يليق بهذا البيت العتيق الذي هو أقدس بيت في هذه الأرض; لذا ذكر سبحانه كيف يتعبدون في هذا البيت عابثين غير مؤمنين

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث