الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 419 ] قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون

قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله قال المفسرون: نزلت في اليهود والنصارى . قال الزجاج : ومعناها: لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين ، لأنهم أقروا بأنه خالقهم وأنه له ولد ، وكذلك إيمانهم بالبعث لأنهم لا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون . وقال الماوردي : إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بحقوقه ، وهم لا يقرون بها ، فكانوا كمن لا يقر به .

قوله تعالى: ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله قال سعيد بن جبير: يعني الخمر والخنزير .

قوله تعالى: ولا يدينون دين الحق في الحق قولان .

أحدهما: أنه اسم الله ، فالمعنى: دين الله ، قاله قتادة .

والثاني: أنه صفة للدين: والمعنى ولا يدينون الدين الحق; فأضاف الاسم إلى الصفة . وفي معنى "يدينون" قولان .

[ ص: 420 ] أحدهما: أنه بمعنى الطاعة ، والمعنى: لا يطيعون الله طاعة حق ، قاله أبو عبيدة . والثاني: أنه من دان: الرجل يدين كذا: إذا التزمه . ثم في جملة الكلام قولان .

أحدهما: أن المعنى: لا يدخلون في دين محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه ناسخ لما قبله .

والثاني: لا يعملون بما في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى: حتى يعطوا الجزية قال ابن الأنباري: الجزية الخراج المجعول عليهم; سميت جزية ، لأنها قضاء لما عليهم: أخذ من قولهم: جزى يجزي: إذا قضى; ومنه; قوله تعالى: لا تجزي نفس عن نفس شيئا [البقرة:48] ، وقوله "ولا تجزي عن أحد بعدك" . وفي قوله: (عن يد) ستة أقوال .

أحدها: عن قهر ، قاله قتادة ، والسدي . وقال الزجاج : عن قهر وذل .

والثاني: أنه النقد العاجل ، قاله شريك ، وعثمان بن مقسم .

والثالث: أنه إعطاء المبتدئ بالعطاء ، لا إعطاء المكافئ ، قاله ابن قتيبة .

والرابع: أن المعنى: عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم فوق أيديهم .

والخامس: عن إنعام عليهم بذلك ، لأن قبول الجزية منهم إنعام عليهم ، حكاهما الزجاج .

والسادس: يؤدونها بأيديهم ، ولا ينفذونها مع رسلهم ، ذكره الماوردي .

[ ص: 421 ] قوله تعالى: وهم صاغرون الصاغر: الذليل الحقير .

وفي ما يكلفونه من الفعل الذي يوجب صغارهم خمسة أقوال .

أحدها: أن يمشوا بها ملببين ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: أن لا يحمدوا على إعطائهم ، قاله سلمان الفارسي . والثالث: أن يكونوا قياما والآخذ جالسا ، قاله عكرمة . والرابع: أن دفع الجزية هو الصغار . والخامس: أن إجراء أحكام الإسلام عليهم هو الصغار .

فصل

واختلف في الذين تؤخذ منهم الجزية من الكفار ، فالمشهور عن أحمد: أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس ، وبه قال الشافعي . ونقل الحسن بن ثواب عن أحمد: أنه من سبي من أهل الأديان من العرب والعجم ، فالعرب إن أسلموا ، وإلا السيف ، وأولئك إن أسلموا ، وإلا الجزية; فظاهر هذا أن الجزية تؤخذ من الكل ، إلا من عابدي الأوثان من العرب فقط ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك .

فصل

فأما صفة الذين تؤخذ منهم الجزية ، فهم أهل القتال . فأما الزمن ، والأعمى ، والمفلوج ، والشيخ الفاني ، والنساء ، والصبيان ، والراهب الذي لا يخالط ، الناس فلا تؤخذ منهم .

[ ص: 422 ] فصل

فأما مقدارها ، فقال أصحابنا: على الموسر: ثمانية وأربعون درهما ، وعلى المتوسط: أربعة وعشرون ، وعلى الفقير المعتمل: اثنا عشر ، وهو قول أبي حنيفة . وقول مالك: على أهل الذهب أربعة دنانير ، وعلى أهل الورق أربعون درهما ، وسواء في ذلك الغني والفقير . وقال الشافعي: على الغني والفقير دينار . وهل تجوز الزيادة والنقصان مما يؤخذ؟ منهم نقل الأثرم عن أحمد: أنها تزاد وتنقص على قدر طاقتهم ، فظاهر هذا: أنها على اجتهاد الإمام ورأيه . ونقل يعقوب بن بختان: أنه لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك ، وله أن يزيد .

فصل

ووقت وجوب الجزية: آخر الحول ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة: تجب في أول الحول . فأما إذا دخلت سنة ، في سنة فهل تسقط جزية السنة الماضية؟ عندنا لا تسقط . وقال أبو حنيفة: تسقط . فأما إذا أسلم ، فإنها تسقط بالإسلام . فأما إن مات; فكان ابن حامد يقول: لا تسقط . وقال القاضي أبو يعلى: يحتمل أن تسقط .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث