الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها النبيء قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم

يا أيها النبيء قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم استئناف ابتدائي ، وهو إقبال على خطاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - بشيء يتعلق بحال سرائر بعض الأسرى ، بعد أن كان الخطاب متعلقا بالتحريض على القتال وما يتبعه ، وقد كان العباس في جملة الأسرى وكان ظهر منه ميل إلى الإسلام . قبل خروجه إلى بدر ، وكذلك كان عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وقد فدى العباس نفسه وفدى ابني أخويه : عقيلا ونوفلا . وقال للنبيء - صلى الله عليه وسلم - تركتني أتكفف قريشا . فنزلت هذه الآية في ذلك ، وهي ترغيب لهم في الإسلام في المستقبل ، ولذلك قيل لهم هذا القول قبل أن يفارقوهم .

فمعنى من في أيديكم من في ملكتكم ووثاقكم ، فالأيدي مستعارة للملك . وجمعها باعتبار عدد المالكين . وكان الأسرى مشركين ، فإنهم ما فادوا أنفسهم إلا لقصد الرجوع إلى أهل الشرك .

والمراد بالخير محبة الإيمان والعزم عليه ، أي : فإذا آمنتم بعد هذا الفداء يؤتكم الله خيرا مما أخذ منكم . وليس إيتاء الخير على مجرد محبة الإيمان والميل إليه ، كما أخبر العباس عن نفسه ، بل المراد به ما يترتب على تلك المحبة من الإسلام بقرينة قوله : ويغفر لكم ، وكذلك ليس الخير الذي في قلوبهم هو الجزم بالإيمان : لأن ذلك لم يدعوه ولا عرفوا به ، قال ابن وهب عن مالك : كان أسرى بدر مشركين ففادوا ورجعوا ولو كانوا مسلمين لأقاموا .

[ ص: 81 ] و " ما أخذ " هو مال الفداء ، والخير منه هو الأوفر من المال بأن ييسر لهم أسباب الثروة بالعطاء من أموال الغنائم وغيرها . فقد أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباس بعد إسلامه من فيء البحرين . وإنما حملنا الخير على الأفضل من المال لأن ذلك هو الأصل في التفضيل بين شيئين أن يكون تفضيلا في خصائص النوع ، ولأنه عطف عليه قوله : ويغفر لكم وذلك هو خير الآخرة المترتب على الإيمان لأن المغفرة لا تحصل إلا للمؤمن .

والتذييل بقوله : والله غفور رحيم للإيماء إلى عظم مغفرته التي يغفر لهم ; لأنها مغفرة شديد الغفران رحيم بعباده ، فمثال المبالغة وهو " غفور " المقتضي قوة المغفرة وكثرتها ، مستعمل فيهما باعتبار كثرة المخاطبين وعظم المغفرة لكل واحد منهم .

وقرأ الجمهور " من الأسرى " بفتح الهمزة وراء بعد السين مثل " أسرى " الأولى ، وقرأها أبو عمرو ، وأبو جعفر من الأسارى بضم الهمزة وألف بعد السين وراءه ، فورودهما في هذه الآية تفنن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث