الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وإذا كان الله تعالى قد استقبل القتال في بدر بعدم الفرار فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير فإنه سبحانه يستقبل القتال الجديد بطلب الثبات والذكر لله، والطاعة لله ولرسوله، ومنع التنازع، وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا .

أمران جليلان عند اللقاء، وهما الثبات وذكر الله، واللقاء لم يبين فيه من الذي ابتدأ باللقاء، وظاهر القول أن المشركين هم الذين جاءوا إلى ديارهم والتقوا بهم، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: " اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب - اهزمهم وانصرنا عليهم ".

أمر الله تعالى بالثبات بأن يلاقوهم ثابتين في أماكنهم، فإنهم إن لم يثبتوا ضربوا في أقفيتهم، فيتمكن منهم العدو، فيقتلون، ولا ينالون من عدوهم منالا، وإن ثبتوا لا يقتل واحد من المؤمنين إلا إذا قتل عددا من المشركين، وحيث كان الفرار كانت الهزيمة لا محالة، وقد أمر بذكر الله كثيرا؛ فإن النصر ليس بالسلاح ولا التخطيط فقط، بل مع ذلك بأمرين في القلوب:

أولهما - الثبات، فلا تضطرب الصفوف ولا يصيبها الخلل، فترجف الأفئدة، ولا تضيع الثقة بين الجند.

وثانيهما - ذكر الله تعالى، فإن ذكر الله يجعل القلوب تطمئن، وإن ذكر الله يملأها إيمانا ويقينا، ورجاء في النصر، وإن ذكر الله يذهب فزع القلوب، ويساعد على الثبات، وإن ذكر الله يذكر بوعده بالنصر فهو يزيده أملا بالنصر، [ ص: 3149 ] وإن ذكر الله إذا جهر به في الميدان ازداد المؤمنون حماسة، وألقي بالرعب في قلوب المشركين، وإن ذكر الله يجعلهم لا يشغلهم عن الله شاغل، وتكون أجسامهم وقلوبهم لنصره، و(كثيرا) مفعول مطلق، أي: اذكروا الله ذكرا كثيرا بحيث لا تتوقفوا عن ذكره مهما تشتد الحرب، وتلتحم السيوف وتتلاقى بالحتوف، وقال تعالى: لعلكم تفلحون أي: راجين بثباتكم وذكر ربكم أن تفوزوا بالنصر، فالرجاء من الناس لا من الله; لأن الله تعالى يعلم الغيب في السماء والأرض، ويعلم ما كان وما يكون.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث